من أمير DZ إلى أمير FR…!

بقلم/ الأستاذ محمد صادق مقراني
لم يعد الخائن يختبئ كما كان في الماضي، بل يخرج إلى العلن، مزهوًّا، محتميًا بالشاشة والميكروفون. هكذا تحوّل من كان يُسمّى “أمير ديزاد” إلى ما بات يُعرف اليوم بـ “أمير أفّار”، بعد أن جعل من الإساءة إلى الجزائر ورموزها مادةً جاهزة للاستهلاك الإعلامي.
ليس الخلاف في الرأي جريمة، لكن تحويل السبّ والشتم والتحريض إلى خطاب، وتقديم الوطن قربانًا لقنوات تبحث عن الإثارة، هو السقوط بعينه. في لحظة بثّ واحدة، اختار الرجل أن يكون شاهد زور على بلده، لا ناقدًا ولا معارضًا. “أمير أفّار” نموذج لزمنٍ تُباع فيه المواقف، وتُقايَض الكرامة ببضع دقائق على الشاشة. لكن الأوطان لا تهتزّ بالعابرين، ولا يكتب تاريخها من احترفوا الافتراء.
عندما تتحوّل الشاشات إلى منابر للإساءة: “فرانس 2” وحدود الصحافة لم يكن ما بثّته قناة “فرانس 2” مجرّد حوار تلفزيوني عابر، بل كان مشهدًا فاضحًا لانزلاق إعلامي خطير، حين فُتحت الشاشات أمام شخص يُدعى أمير دزاد ليصبّ سيلاً من السباب والشتائم بحق رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون، على المباشر، دون مقاطعة حقيقية أو ضبط مهني أو احترام لأدنى قواعد العمل الصحفي. فالصحافة، مهما اختلفت مواقفها السياسية، تبقى مطالبة بالتمييز بين النقد المشروع والإساءة المجانية.
ما وقع على “فرانس 2” لم يكن نقدًا، بل حملة تشويه علنية، استُخدمت فيها الألفاظ السوقية بدل الحجج، والشتائم بدل التحليل، في مشهد يسيء قبل كل شيء إلى القناة نفسها وإلى تقاليد الإعلام الفرنسي الذي طالما تباهى بحرية التعبير المقترنة بالمسؤولية. الأخطر من ذلك أن القناة لم تكتفِ باستضافة شخص معروف بعدائه المعلن للجزائر، بل وفّرت له منبرًا آمنا ليهين رموز دولة ذات سيادة، في تجاهل صارخ لأخلاقيات الحوار واحترام الشعوب ومؤسساتها. هنا لا يمكن الحديث عن حرية تعبير، بل عن تواطؤ إعلامي يندرج ضمن سياق سياسي أوسع، عنوانه الضغط والتشويش واستهداف صورة الجزائر في مرحلة تعرف فيها حضورًا دبلوماسيًا متزايدًا واستقلالية واضحة في القرار.
إن ما قامت به “فرانس 2” يطرح سؤالًا جوهريًا حول ازدواجية المعايير في الإعلام الغربي: كيف يُسمح بالإساءة العلنية لرئيس دولة، بينما تُجرَّم الكلمة ذاتها إذا مست رموزًا أخرى؟ وأين تقف حرية التعبير عندما تتحوّل إلى أداة للتحريض والكراهية السياسية؟ الجزائر ليست في حاجة إلى دروس في الديمقراطية من منابر تخلّت عن مهنيتها، ولا إلى مواعظ من قنوات تسمح بتحويل الحوار إلى حلبة شتم. فالدول تُحترم، والرموز تُصان، والإعلام الحقيقي يُقاس بقدرته على إدارة الاختلاف برقيّ، لا بفتح المجال للفوضى اللفظية.
وختامًا، فإن حادثة “فرانس 2” ليست مجرد زلّة إعلامية، بل مؤشر على توتّر سياسي يتخفّى خلف ستار الصحافة. غير أن التاريخ علّمنا أن الحملات الإعلامية العابرة تزول، بينما تبقى الدول الراسخة أقوى من كل الشتائم، وأكبر من كل الشاشات.


