الحدثرأي

العقلُ الجزائريُّ الذي هندسَ “أدنوك” الإماراتية: ملحمةُ وفاءٍ انتهت بخيانةِ الأشقّاء

هذا المقال ليس مجرد قصة تعاون عابر بين بلدين عربيين من المفروض أنهما شقيقين لا عدوين، بل هو فصل محوري في تاريخ الطاقة العالمي، يوثق كيف ساهمت الكفاءة الجزائرية في صياغة السيادة الاقتصادية لدولة الإمارات العربية المتحدة.

هو مقال تحليلي مفصل وموثق يتناول هذه الملحمة من جذورها التاريخية وصولاً إلى أبعادها الجيوسياسية الراهنة.

محمود حمرا كروها: العقل الجزائري الذي هندس سيادة “أدنوك”

“مهمة النجدة” من الثورة إلى الثروة

في نهاية الستينيات، كانت منطقة الخليج العربي تمر بمرحلة مخاض عسير؛ استقلال يقترب وثروات نفطية هائلة ترزح تحت هيمنة الشركات الأجنبية (مثل شركة نفط العراق وBP). في هذا السياق، لم يجد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمه الله- وُجهةً أكثر موثوقية من جزائر “هواري بومدين”، التي كانت تعيش أوج فورانها الثوري والتأميمي، ليطلب “العلم والخبرة” في تأسيس كيان وطني يحمي ثروات الإمارات.

1. اللقاء التاريخي (1969): صرخة “شقيق في محنة”
تؤكد الوثائق التاريخية أن التواصل بين الشيخ زايد والرئيس بومدين لم يكن بروتوكولياً فحسب، بل كان طلباً للاستقلال الاقتصادي. الجزائر، التي كانت تخطط حينها لأكبر عملية تأميم للمحروقات في العالم الثالث (التي تمت لاحقاً في 24 فيفري 1971) ، امتلكت “الكاتالوغ” الجاهز للتحرر من الشركات “السبع الشقيقات” (Seven Sisters).

2. محمود حمرا كروها: المهندس القادم من أعالي سكيكدة
#لم يكن اختيار محمود حمرا كروها عشوائياً. هذا الشاب المنحدر من بلدية أولاد عطية بولاية سكيكدة، كان يمثل النخبة التقنية التي كونتها الجزائر غداة الاستقلال.

الفريق المرافق: لم يذهب وحيداً، بل قاد فريقاً من نحو 20 إطاراً مهندساً وخبراء ماليين جزائريين (من مدرسة سوناطراك).
-الدور التأسيسي: تولى منصب المدير العام لشركة “أدنوك” منذ إنشائها الرسمي عام 1971 وظل في منصبه حتى عام 1987.
-بناء “سلسلة القيمة”: لم يكتفِ بإدارة المكتب، بل أشرف على:
-اتفاقيات الامتياز مع الشركات الأجنبية وتحويلها لصالح الدولة.
-إنشاء أولى المصافي ومحطات التوزيع.
-تأسيس “معهد أدنوك” لتكوين الكوادر الإماراتية، ناقلاً بذلك تجربة المعهد الجزائري للبترول (IAP).

3. .الفكر “البومديني” في رمال أبوظبي
كان الرئيس هواري بومدين يؤمن بأن “السيادة لا تكتمل إلا بالسيطرة على الثروة الباطنية”. هذا الفكر نقله حمرا كروها بحذافيره إلى الإمارات.
في الوقت الذي كانت فيه دول المنطقة تخشى المواجهة مع الشركات النفطية الكبرى، كانت الجزائر تقدم “الدرع التقني والقانوني” للإمارات، مما مكّن الشيخ زايد من التفاوض من موقف قوة، مستنداً إلى خبرات جزائرية خاضت معارك تأميم شرسة ضد فرنسا.


4. من “عصر الوفاء” إلى “مربع التوجس”
المفارقة التاريخية (البارادوكس):
-الأمس: الجزائر (بومدين) تمد يد العون لبناء ركيزة الاقتصاد الإماراتي (أدنوك) لمواجهة “اللصوص الأجانب”.
-اليوم: تبرز تقارير وتوترات دبلوماسية (كما أشرتَ في طرحك) تشير إلى أدوار إماراتية تتقاطع سلبياً مع المصالح الاستراتيجية الجزائرية في الساحل وليبيا وتونس.

تحليل “الدور الوظيفي”:

يرى العديد من المحللين السياسيين أن هناك تحولاً في العقيدة السياسية للإمارات من “دولة تبحث عن الاستقرار” (عهد الشيخ زايد) إلى “دولة تبحث عن النفوذ الإقليمي” (العهد الحالي).
هذا التوسع الاصطدامي مع الجزائر يُفسر كونه:
-محاولة للي الذراع: بسبب مواقف الجزائر المبدئية (القضية الفلسطينية، رفض التطبيع، والسيادة الوطنية).
-استهداف الاستقرار: من خلال محاولة عزل الجزائر إقليمياً أو التأثير على محيطها الأمني.


5. “التاريخ لا يُزوّر”
إن قصة محمود حمرا كروها ليست مجرد سيرة ذاتية لمهندس ناجح، بل هي شهادة إدانة أخلاقية لأي محاولة للتنكر للجميل التاريخي.

لقد كانت الجزائر، ولا تزال، تؤمن بمنطق “الشقيق وقت الضيق”، وهو ما تجلى في إرسال نخبها لبناء اقتصاد دولة كانت في طور التكوين.
إن “لعنة التاريخ” تلاحق من يحاول هدم البناء الذي ساهم “رسول الهواري” في وضع لبناته الأولى.
تظل “أدنوك” التي تنتج اليوم ملايين البراميل، شاهداً صامتاً في رمال أبوظبي على أن “العقل الجزائري” كان هو البوصلة التي وجهت سفينة النفط الإماراتية نحو بر الأمان، في زمن كانت فيه السيادة تُفتكّ ولا تُهدى.
الهندسة القانونية والتقنية (مدرسة “كروها” في بناء السيادة)
عندما وصل محمود حمرا كروها إلى أبوظبي عام 1969، لم يكن يحمل مجرد حقيبة أوراق، بل كان يحمل “العقيدة النفطية الجزائرية” التي صاغها بومدين وبلعيد عبد السلام.

1. من نظام “الامتياز” إلى نظام “المشاركة”
قبل وصول الفريق الجزائري، كانت الشركات الأجنبية تسيطر بشكل كامل على النفط الإماراتي بنظام “الامتيازات القديمة” التي تعطي الدولة مجرد إتاوات بسيطة.
-التدخل الجزائري: طبق كروها استراتيجية “المشاركة التدريجية” (Participation Agreements). بدأ بالمطالبة بنسبة 25% من ملكية العمليات، ثم رفعها إلى 60%، وصولاً إلى السيطرة الكاملة، وهو ما كان استنساخاً حرفياً لما فعلته الجزائر مع الشركات الفرنسية في عام 1971.
-تفكيك “اللفيف الأجنبي”: أشرف كروها شخصياً على مفاوضات معقدة مع الشركات متعددة الجنسيات بين عامي 1971 و1987، منتزعاً حق الدولة في إدارة مسار الإنتاج والتسعير.

2. هندسة “سلسلة القيمة” (Value Chain)
لم تكن “أدنوك” في ذهن كروها مجرد شركة لاستخراج الخام وشحنه، بل أرادها “سوناطراك خليجية”:
-التوزيع والاستكشاف: أسس أول شركة وطنية للتوزيع (أدنوك للتوزيع) لكسر احتكار الشركات الأجنبية للسوق المحلي.
-التكوين البشري: ركز كروها على “جزأرة” (ثم إماراتة أو “أمرتة”) الكوادر. جلب أكثر من 20 خبيراً جزائرياً لم يكن هدفهم البقاء للأبد، بل تدريب جيل من المهندسين الإماراتيين. هذا الفريق الجزائري هو من وضع الهياكل الإدارية والمحاسبية التي لا تزال تعمل بها “أدنوك” إلى اليوم.

الملفات الجيوسياسية الراهنة (صدام الرؤى والسيادة)
بينما يمثل تاريخ “كروها” قمة الوفاء العربي، يمثل الواقع الحالي “أزمة ثقة” عميقة ناتجة عن تضارب الأجندات في عدة ملفات ساخنة:
1. ملف منطقة الساحل وأفريقيا

تعتبر الجزائر منطقة الساحل (مالي، النيجر) “أمناً قومياً مباشراً”.

-التوجس الجزائري: تتقاطع تقارير مع ما ورد في طرحك حول دور إماراتي “وظيفي” في هذه المنطقة، حيث يُنظر إلى الدعم المالي والعسكري لبعض الأطراف في مالي أو السودان على أنه يهدف لإرباك التوازنات الأمنية التي تقودها الجزائر.

-التنافس الاقتصادي: الجزائر تسعى لمد أنبوب الغاز العابر للصحراء (نيجيريا-الجزائر)، بينما يُنظر لأي تحركات استثمارية إماراتية منافسة في دول العبور على أنها محاولة “للي الذراع”.

2. الملف الليبي

ليبيا هي ساحة المواجهة الصامتة الأكبر. الجزائر تصر على “الحل السياسي الليبي-الليبي” وترفض التدخلات الأجنبية و”فرش البساط الأحمر” للقوى الخارجية. في المقابل، تدعم أبوظبي أطرافاً عسكرية، وهو ما تعتبره الجزائر تهديداً لاستقرار حدودها الشرقية ومحاولة لفرض “أمر واقع” يخدم أجندات تفكيكية.

3. ملف “السيادة الوطنية” والابتزاز المالي

يشير النص الذي قدمته إلى أن الجزائر اليوم “تكسب اعترافات دولية حول صلابة اقتصادها”. هذا الاستقلال المالي (صفر مديونية خارجية) هو ما يزعج القوى التي تستخدم “ميكانيزمات الابتزاز والمساومة”.

الجزائر، بتمسكها بـ “ثوابتها النوفمبرية” ورفضها المطلق للمساس بسيادتها، تجد نفسها في مواجهة مع مشاريع “التطبيع” والتحالفات الإقليمية الجديدة التي تقودها أبوظبي.

مفارقة البناء والهدم

إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن “العقل الجزائري” (محمود حمرا كروها) هو من وضع “المفتاح الأساسي” للموارد المالية الإماراتية التي تُستخدم اليوم في بعض الملفات ضد مصالح الجزائر.

يظل الفرق بين الرئيس بومدين والشيخ زايد (جيل البناء والتضامن) وبين الواقع الحالي (جيل التخابر والدسائس) هو الفرق بين سياسة “النجدة” وسياسة “التفكيك”. ستظل “أدنوك” شاهدة على أن الجزائر أعطت “أغلى ما تملك” (خبرتها النفطية) في وقت المحنة، لتظل كرامتها وسيادتها اليوم خطاً أحمر لا يقبل القسمة على اثنين.

عمّـــار قـــردود

التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى