رأي

محمد الصديق بن يحي: الذكرى الرابعة والأربعون لرحيل “مهندس الدبلوماسية الهادئة” ورجل الدولة الرصين

تمرّ علينا الذكرى الرابعة والأربعون لرحيل “مهندس الدبلوماسية الهادئة” ورجل الدولة الرصين، محمد الصديق بن يحيى، الذي استشهد في الثالث من ماي 1982. لم يكن بن يحيى مجرد وزير خارجية، بل كان عقل الثورة الجزائرية في المفاوضات، وصوت السلام العالمي الذي خفتَ في حادثة مأساوية لا تزال تفاصيلها تثير الكثير من التساؤلات التاريخية.

بقلم/حياة زدام (مديرة موقع وقناة “عاصفة نيوز”)


1. النشأة والتكوين: عبقرية مبكرة

ولد محمد الصديق بن يحيى في 30 جانفي 1932 بمدينة جيجل. تميز بذكاء وقاد وقدرة تحليلية فذة، وهو ما قاده لدراسة الحقوق بجامعة الجزائر. هناك، لم يكن مجرد طالب، بل كان فاعلاً أساسياً في تأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين (UGEMA) عام 1955، حيث لعب دوراً محورياً في تنظيم إضراب الطلبة التاريخي في 19 ماي 1956، مؤمناً بأن القلم يجب أن يساند البندقية.


2. مفاوض إيفيان: العقل الذي واجه دهاه فرنسا

رغم صغر سنه (لم يتجاوز الثلاثين حينها)، كان بن يحيى أحد أبرز أعضاء الوفد الجزائري المفاوض في اتفاقيات إيفيان. تميز ببرود أعصاب لافت وقدرة على صياغة البنود القانونية بدقة متناهية.

  • الدور: كان سكرتير الوفد وعضواً في المجلس الوطني للثورة الجزائرية.
  • الأثر: ساهم في انتزاع اعتراف فرنسا بالوحدة الترابية للجزائر، بما فيها الصحراء، وهو الملف الذي حاولت فرنسا مراراً فصله عن السيادة الوطنية.

3. مهندس مؤسسات الدولة (ما بعد الاستقلال)

بعد الاستقلال، لم يتوقف طموح بن يحيى عند العمل الدبلوماسي، بل ساهم في بناء “الجزائر الفتية” عبر عدة حقائب وزارية:

  • وزارة الإعلام: وضع لبنات الصحافة الوطنية.
  • وزارة التعليم العالي: أشرف على تعريب التعليم العالي وتطوير الجامعات (إصلاح 1971).
  • وزارة المالية: عُرف بصرامته في تسيير الشأن العام ودقته في إدارة الموارد.

4. “رجل السلام”: حل أزمة الرهائن الأمريكيين

في عام 1979، تولى بن يحيى حقيبة الخارجية في ظرف دولي معقد. سجل اسمه بحروف من ذهب عالمياً حين نجحت الدبلوماسية الجزائرية تحت قيادته في الوساطة بين واشنطن وطهران لإنهاء “أزمة الرهائن الأمريكيين” عام 1981.

يُقال عنه: “كان يمتلك قدرة غريبة على إيجاد حلول في الغرف المغلقة حين تعجز كل لغات التهديد العسكري.”


5. النهاية التراجيدية: “شهيد السلام”

في 3 ماي 1982، وبينما كان في مهمة مكوكية للوساطة بين العراق وإيران لإنهاء الحرب الضروس بينهما، تعرضت طائرته (Grumman Gulfstream II) لصاروخ في المنطقة الحدودية بين البلدين، ما أدى إلى استشهاده مع طاقم الطائرة وعدد من إطارات وزارة الخارجية.

لغز الحادثة:

رغم أن التحقيقات الجزائرية حينها أشارت إلى تورط صاروخ تقني (أثبتت بقاياه أنه من صنع سوفييتي كان يمتلكه الجانب العراقي)، إلا أن استهداف بن يحيى كان استهدافاً لجهود السلام الجزائرية التي كانت تزعج القوى الطامحة لاستمرار النزاع في المنطقة.


الخاتمة: إرث لا يغيب

محمد الصديق بن يحيى لم يكن “دبلوماسياً” بالمعنى التقليدي، بل كان مدرسة في الرصانة. يُذكر له دائماً مقولته الصامتة في المحافل الدولية: “الدبلوماسية ليست صراخاً، بل هي فن تحويل المستحيل إلى ممكن بذكاء الهدوء”.

في ذكرى رحيله الـ44، تظل ذكراه حية في الذاكرة الجمعية للجزائريين، كرمز للنزاهة، العبقرية، والتضحية من أجل المبادئ الإنسانية العليا.

إن استذكار محمد الصديق بن يحيى اليوم ليس مجرد استحضار لتاريخ مضى، بل هو استلهام لمدرسة دبلوماسية جعلت من الجزائر “قبلة للثوار” و “أرضاً للسلام”. رحل بن يحيى جسداً، وبقيت “اتفاقيات الجزائر” شاهداً حياً على عبقرية رجل وهب حياته لخدمة الإنسانية.


ملاحظة: تزامناً مع عام 2026، تبقى الدراسات التاريخية الجزائرية مطالبة بنشر المزيد من الوثائق حول ظروف اغتياله لإنصاف هذا الرجل الذي قدم حياته قرباناً للسلم العالمي.

التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى