الحدثرأي

رحيل “ضمير الجامعة” والمحلل الرصين: قراءة في المسار الفكري والسياسي للدكتور محمد هناد

تلقى الوسط الأكاديمي والسياسي الجزائري ببالغ الأسى نبأ وفاة الدكتور محمد هناد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، الذي غيبه الموت امس الأربعاء 27 ماي 2026 مخلفاً وراءه فراغاً كبيراً في المشهد النقدي والتحليلي. لم يكن هناد مجرد أكاديمي في مدرجات الجامعة، بل كان صوتاً متميزاً، مثقفاً عضوياً انحاز بوضوح للمسار الديمقراطي وقضايا الحريات، مما جعله مرجعاً أساسياً لفهم تعقيدات “السلطوية” وآليات صناعة القرار في الجزائر.

أولاً: المسار الأكاديمي والعمق الفكري

تميز محمد هناد بمسار أكاديمي رصين، حيث تخصص في “نظم الحكم” و”السياسات المقارنة”. لم تكن أبحاثه مجرد تنظير جامد، بل كانت محاولة جادة لتفكيك بنية الدولة الجزائرية بعد الاستقلال. اتسم منهجه بالدقة والصرامة العلمية، حيث استند إلى نظريات العلوم السياسية الحديثة لتشريح الممارسات السياسية المحلية، بعيداً عن العواطف أو الانحيازات الأيديولوجية الضيقة.


-الجامعة كفضاء للنقد: آمن هناد بأن دور الأستاذ الجامعي لا يتوقف عند حدود تلقين المعرفة، بل يمتد إلى ممارسة النقد الموضوعي للواقع السياسي، وهو ما جعله يواجه تحديات وضغوطات مستمرة طوال مسيرته.


ثانياً: الأطروحة المركزية – تفكيك “السلطوية”

على مدار سنوات من الكتابة والتحليل، بلور هناد رؤية نقدية للنظام السياسي الجزائري، يمكن تلخيص ركائزها في النقاط التالية:

-طبيعة النظام: كان يرى أن النظام الجزائري -خاصة في عهد بوتفليقة- يرتكز على توازنات بين أجنحة السلطة أكثر من ارتكازه على الشرعية الشعبية أو المؤسسات الدستورية.

-أزمة المؤسسات: لطالما انتقد هناد ظاهرة “تفريغ المؤسسات من محتواها”، حيث تتحول البرلمانات والحكومات إلى مجرد واجهات لإدارة الصراعات الداخلية للنخبة الحاكمة، وليس لتمثيل إرادة الأمة.

-علاقة السلطة بالمجتمع: كان من أشد المدافعين عن ضرورة وجود “مجتمع مدني حقيقي” ومستقل، معتبراً أن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من خلال نضج الوعي السياسي الشعبي والقوى الحية في البلاد.

ثالثاً: الدور الإعلامي والالتزام المدني

مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، وجد هناد فيها فضاءً رحباً لتجاوز الرقابة المؤسساتية. تحولت كتاباته وتدويناته إلى “مرجع يومي” للنخبة والمهتمين بالشأن العام. تميز أسلوبه بـ:

-اللغة الواضحة والمكثفة: كان يمتلك قدرة فائقة على تبسيط المفاهيم السياسية المعقدة وتقريبها للقارئ غير المتخصص.
-الشجاعة في الطرح: لم يتردد في تسمية الأشياء بمسمياتها، وانتقد بجرأة مختلف مراحل الأزمة السياسية التي مرت بها البلاد، خاصة خلال فترات الحراك الشعبي، حيث قدم قراءات استشرافية دقيقة لما كان يحدث في الشارع.


رابعاً: الإرث والمآلات

رحيل محمد هناد ليس مجرد فقدان لأستاذ جامعي، بل هو خسارة لأحد أبرز العقول التي حاولت عقلنة النقاش السياسي في الجزائر. لقد ترك خلفه إرثاً من المقالات والمواقف التي ستظل مادة غنية للباحثين في تاريخ الفكر السياسي الجزائري المعاصر.
“إن قيمة المثقف تكمن في قدرته على الحفاظ على مسافة نقدية تمنعه من السقوط في فخ التبرير للسلطة أو الانجراف مع الشعبوية السطحية.” – (مستخلص من روح فكر الدكتور هناد).

سيظل محمد هناد حاضراً في الذاكرة الجمعية الجزائرية كأحد المثقفين القلائل الذين لم يغيروا بوصلتهم. لقد كانت كتاباته بمثابة “مصباح” في غرف السياسة المعتمة، وستظل آراؤه في بناء دولة القانون والمؤسسات نبراساً لكل من يؤمن بضرورة التغيير السلمي والديمقراطي في الجزائر. لقد رحل الرجل، لكن الأفكار التي زرعها في عقول طلبته ومتابعيه ستستمر في التفاعل مع الواقع السياسي لسنوات قادمة.

رحم الله الدكتور محمد هناد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى