رأي

التهريج السياسي…حين يتحوّل الخطاب إلى فُرجة

لم يعد بعض الخطاب السياسي الحزبي قادرًا على الإقناع أو حتى على إثارة نقاش جاد، بعدما انزلق إلى التهريج والبهرجة الفارغة، وابتعد عن جوهر العمل السياسي القائم على الرؤية والبرنامج والمسؤولية. فبدلاً أن تكون السياسة فعلًا عقلانيًا يستهدف خدمة المواطن وبناء المستقبل، تحولت عند بعض الأحزاب إلى عروض صوتية واستعراضات شخصية تفتقر إلى العمق والجدوى.

إن الرداءة التي تطبع خطابات بعض القيادات الحزبية لا تتجلى فقط في ضعف اللغة والمضمون، بل في محدودية الأفق وغياب التصورات الواقعية. خطاب يكرر الشعارات نفسها، ويعيد إنتاج الوعود ذاتها، دون تشخيص حقيقي لمشكلات المواطن أو تقديم حلول قابلة للتنفيذ. والأسوأ من ذلك، أن هذا الخطاب غالبًا ما يخاطب الغرائز لا العقول، ويستثمر في الانفعال بدل التحليل. وفي خضم هذا المشهد، برزت ظاهرة الزعامة المفرطة، حيث تختزل الأحزاب في أشخاص، ويُقدَّم القائد بوصفه المنقذ الوحيد، بينما تُهمَّش الكفاءات ويُغيب العمل الجماعي.

زعامة تُبنى على الصوت العالي والحضور الإعلامي لا على الإنجاز، وعلى صناعة الصورة لا على صناعة السياسات. أما البهرجة المصاحبة لبعض الخرجات الحزبية، فقد أصبحت بديلاً عن الفعل السياسي الحقيقي. تجمعات صاخبة، خطابات حماسية، ووعود فضفاضة، تنتهي بانتهاء الحدث، دون أثر ملموس في حياة المواطن.

وهو ما عمّق فجوة الثقة بين المواطن والعمل الحزبي، ورسّخ حالة من العزوف واللامبالاة. إن المواطن اليوم لا ينتظر خطابات خشبية ولا عروضًا مسرحية، بل يبحث عن من يفهم انشغالاته اليومية، من بطالة وسكن وخدمات وتنمية محلية. يبحث عن خطاب صادق، عقلاني، ومسؤول، يعترف بالإكراهات ويقترح حلولًا، بدل الهروب إلى التهويل أو الشعبوية. وحده الخطاب السياسي الجاد، المبني على البرامج والكفاءة والمساءلة، كفيل بإعادة الاعتبار للعمل الحزبي، وتحويل السياسة من فرجة عابرة إلى أداة حقيقية للتغيير. فالديمقراطية لا تُبنى بالصخب، بل بالوعي، ولا تُخدم بالبهرجة، بل بالعمل.

-بقلم: الأستاذ مقراني محمد الصادق-

التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى