الدكتور عبد البر الصياد يتطرق الى موضوع “الدفع بقوة الشئ المحكوم فيه”…التفاصيل

الدفع بقوة الشئ المحكوم فيه
ينبني على هذه القاعدة أنه إذا رفعت الدعوى الجنائية (ضد) متهم عن جريمة سبق صدور حكم بات فيها بالبراءة أو بالإدانة فإنه يستطيع أن يدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بحكم بات. ولكن ينبغي أن تتوافر الشروط الصحيحة لهذا الدفع .
شروط الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه
الشرط الأول : صدور حكم جنائي بات فاصل في موضوع الدعوى
فينبغي أن نكون أولا بصدد حكم متمتع بوجوده القانوني فالأحكام المنعدمة لا تتمتع بأية قوة قانونية ، أما الأحكام الباطلة فإنها متي حازت قوة الأمر المقضي أضحت عنواناً
للحقيقة
“أما نعت الحكم بأنه جنائي”
فليس مرجعة نوع المحكمة التي أصدرته وإنما سنده (سبب) الدعوى التي صدر بشأنها . فقد يصدر الحكم الجنائي من إحدى المحاكم المدنية كما هو شأن في جرائم الجلسات . وقد يصدر الحكم المدني من إحدى المحاكم الجنائية كما في حالة الحكم في طلب التعويض لجبر الضرر الناشيء عن الجريمة. ويستوي أن يصدر الحكم الجنائي من محكمة جنائية عادية أو استثنائية .
وأما وصف الحكم بأنه بات
فقد سبقت الإشارة إلى أن الحكم يتصف بهذه الصفة متي أصبح غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن عدا التماس إعادة النظر .
كما يجب أن يكون الحكم المقضى البات فاصلا في الموضوع
سواء في منطوقه أو في أسبابه وأسانيده الجوهرية المكملة لمنطوقه أي التي بني عليها الحكم مباشرة دون الأسباب
البعيدة والتي قد تؤثر في اسلوب الفكر عند القاضي
وينبني علي ذلك أن الأحكام الصادره قبل الفصل في موضوع الدعوى الجنائية كالحكم بعدم الاختصاص أو بعدم القبول أو بندب خبير فلا تنقضي بها الدعوى الجنائية .
الشرط الثاني : وحدة الواقعة الإجرامية
- يشترط – لإمكان الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه -أن تكون الواقعة الإجرامية المسندة
إلى المتهم في الدعويين المحكوم فيها والجاري المحاكمة عنها واحدة . والعبرة في وحدة الواقعة الإجرامية بالعناصر المادية للجريمة فقط دون ركانها المعنوي وبقية الظروف الأخرى التي تعتبر عناصر ثانوية لا يعتد بها في هذا المجال .
أما إذا اختلفت الدعويان بأن كان لكل واقعة ذاتية خاصة تتحقق بها المغايرة بين الواقعتين .. ينتقي معه القول بوحدة السبب فيهما فلا يقبل الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها، حتى ولو كانت الواقعة المرفوعة عنها الدعوى من نوع الواقعة الأولي أو متحدة معها في الوصف .
وتطبيقاً لذلك قضي بأن محاكمة المتهم عن ذبحه جملاً خارج السلخانة لا تمنع محاكمته بعد ذلك عن تسببه من غير قصد ولا تعمد في قتل شخص وإصابة آخر ببيعه لحوم فاسدة أكل منها المجني عليهم وأصيبوا وتبرئة المتهم من تهمة إخفاء سلاح ناري مع علمه بأنه متحصل من جناية قتل عمد مقترن بجناية إحراز سلاح وذخيرة لعدم توافر الدليل مع علمه بذلك ، لا يتعارض مع إدانته بتهمة إحراز السلاح لاستقلال كل من الجريمتين . الأخرى في عناصرها . وإصدار المتهم عدة شيكات بغير رصيد في وقت واحد ، لصالح شخص واحد، وعن معاملة واحدة وان تباينت قيمة كل منها أو اختلفت تاريخ استحقاقها ، فهي لا تخرج عن كونها نشاطاً إجراميا واحدا لا يتجزأ ولذلك تنقضي الدعوى الجنائية الامام بصدور حكم نهائي واحد بالإدانة أو بالبراءة في إصدار أي : شيك منها . والحكم بالبراءة في تهمة التبديد لتشكك المحكمة في أدلة الثبوت لايقطع بصحة البلاغ المقدم عنها أو بكذبه ، ولذا فانه لا يمنع المحكمة المطروحة أمامها تهمة البلاغ الكاذب من أن تبحث هذه التهمة طليقة من كل قيد
ولا يغير من وحدة الواقعة ظهور أدلة جديدة كظهور دليل قاطع علي توافر نية إزهاق الروح لدى الجاني بعد سبق الحكم عليه في تهمة ضرب أفضي إلى موت . ومن ثم فلا يجوز إعادة محاكمته بناء على الدليل الجديد. كما لا يغير من وحدة الواقعة اكتشاف توافر ظرف مشددا كما لو تبين تحقق وجود ظرف سبق الإصرار أو الترصد بعد الحكم على المتهم في تهم القتل عمداً بغير توافر ظرف مشدد ولا يختلف الأمر في شيء – من باب أولي – إذا كان الظرف مخففا لا مشدداً ، ولا يغير من وحدة الواقعة – وبالتالي يحول دون إعادة محاكمة المتهم – إذا ترتب على اكتشاف ظروف جديدة في الواقعة تغير في الوصف ، ذلك أن الدعوى تكون عن فعل معين هو الذي ترفع به إلى المحكمة لا عن وصف معين يقيدها . فالحكم البات في واقعة يمنع إعادة محاكمة ولكن على العكس مما تقدم فان الواقعة تختلف إذا استقلت كل من الواقعتين – المحكوم فيها ما فيها والمطلوب المحاكمة عنها – بزمانها ومكانها ، حتى ولو كان بين الواقعتين ارتباط مادي لايقبل التجزئة وفقا لنص المادة ۲/۳۲ عقوبات فسابقة محاكمة المتهم عن جريمة خيانة أمانة لا تحول دون إعادة محاكمته عن جريمة تزوير وقعت لإخفاء الاختلاس. ومن حكم ببراءته في جريمة تزوير تجوز محاكمته عن تهمة نصب كان التزوير قد سهل وقوعها ومن حكم . ببراءته في تهمة إخفاء سلاح ناري مع علمه بأنه متحصل من جناية قتل عمد مقترن بجناية إحراز سلاح وذخيرة لعدم توافر الدليل علي علمه بذلك ، تجوز محاكمته عن تهمة إحراز سلاح وذخيره، وذلك لاستقلال كل من الجريمتين عن الأخرى في عناصرها المكونة لها .
#أما بالنسبة للجرائم المرتبطة .#
اي في حالة وقوع عدة جرائم لغرض واحد مع توافر الارتباط الذي لا يقبل التجزئة بينها فإنه يجب اعتبار ها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررةلأشدها طبقا لنص المادة ٣١ عقوبات ، حينند فلا تجوز إعادة محاكمة المتهم عن الجريمة التي عقوبتها أخف ، والعكس صحيح، بمعني أنه إذا سبق محاكمة المتهم عن الجريمة التي عقوبتها أخف فان ذلك لا يحول دون إعادة محاكمته عن الجريمة التي عقوبتها أشد ، وفي هذه الحالة فإنه يجب عند تنفيذ عقوبة الجريمة الأشد خصم المدة التي نفذها المحكوم عليه عن الجريمة الأخف ، حيث يعتبر كالمحبوس احتياطيا، فيستنزل ما قضاه في هذا الحبس من مدة العقوبة الجديدة .
#أما بالنسبة للجرائم المستمرة :#
فإن قوة الحكم البات تنصرف إلى حالة الاستمرار السابقة عليه فحسب فتحول دون إعادة المحاكمة عنها ، أما الوقائع اللاحقة عليه فتقوم بها جريمة مستقلة ومن ثم فلا تتصرف إليها قوة الحكم البات وتصح المحاكمة من أجلها مرة اخري ، ولا يجوز لجانى التمسك عند.
المحاكمة الثانية بسبق الحكم عليه
ومع ذلك فيجب التمييز بين حالة الجريمة المستمرة استمراراً هاماً من جانب . كجريمة إخفاء الجناة أو إخفاء أشياء مسروقة حيث لا تكون محاكمة الجاني إلا عن الأفعال الجنائية السابقة على رفع الدعوى أما الأفعال اللاحقة عليها فتقوم بها جريمة جديدة تصح محاكمته عنها وبين حالة الجريمة المستمرة استمراراً ثابتا من جانب آخر كجريمة إقامة بناء بدون ترخيص حيث لا تجوز محاكمة الجاني مرة ثانية تأسيسا على أن البناء ما زال قائماً
في وضعه المخالف للقانون . وواقع الأمر أن الجريمة في هذه الحالة لا تعدو إلا أن تكون جريمة وقتية مستمرة الأثر فحسب. ولذلك فإن الحكم البات فيها يمنع من العودة إلى محاكمة
الجاني عنها مهما استمرت آثارها ” .
#الشرط الثالث وحدة الخصوم #
- تستلزم وحدة الخصوم وحدة الطرفين الأساسيين في الدعوى الجنائية وهما الادعاء والمتهم. وحدة الادعاء متحققة دائما، إذ أن النيابة العامة هي المدعي في جميع الدعاوى الجنائية – حتى ولو تحركت الدعوى من سواها – باعتبارها ممثلة للمجتمع – الخصم الأصيل في الدعوى – والأمينة على الدعوى العمومية والوحيدة صاحبة الحق في مباشرتها . أما المتهم المدعى عليه في الدعوى الجنائية فهو الطرف الوحيد الذي يمكن تصور تغيره في هذه الدعوى ووحدته هى الشرط الأساسي لقبول الدفع بقوة الأمر المقضي به ومن ثم عدم جواز نظر الدعوى السابقة الفصل فيها . وقد عللت محكمة النقض شرط وحدة المتهم إلى وجوب تمكين كل مندتهم من الدفاع عن نفسه مما هو منسوب إليه قبل الحكم عليه كي لا يجابه متهم بما يتضمنه حكم صدر بناء على إجراءات لم تتخذ في حقه
أما في حالة تعدد المتهمين ، فإن سبق الحكم بإدانة أحدهم لا تحول دون محاكمة بقية المساهمين الذين لم تتم محاكمتهم معه لأي سبب من الأسباب – تأسيساً على سبق إدانة أحدهم في ذات الجريمة . أما إذا كان قد سبق الحكم لصالح أحدهم بالبراءة ، فانه ينبغي التميز بين الحالة التي يستند فيها حكم البراءة علي أسباب موضوعية ، والحالة التي يستند فيها على أسباب شخصية.
#الحالة الأولي تأسيس حكم البراءة علي أسباب موضوعية #
إذا استند الحكم بالبراءة على أسباب موضوعية تتصل بماديات الجريمة وتكييفها القانوني لعدم صحة الواقعة أو عدم خضوع الفعل فيها لأحد نصوص التجريم ، أو لسقوط الدعوى بالتقادم ، فان للحكم البات ببراءة المتهم قوة تحول دون محاكمة بقية المساهمين معه في ارتكاب الواقعة ، لابتناء البراءة على أسباب عينية تمتد إلى طافة المتهمين وذلك علي اساس وحدة الواقعة وارتباط مركز المتهمين فيها ارتباطاً لا يقبل التجزئة ولا يسمح بالمغايرة كافة
في المعاملة بينهم .
#الحالة الثانية :تأسيس الحكم# بالبراءة علي أسباب شخصية .
- إذا استند حكم البراءة على أسباب شخصية كانعدام التمييز أو انتقاء القصد الجنائي فلا يكون الحكم البات ببراءة أحد المتهمين حائلا دون محاكمة بقية المساهمين معه في ارتكاب الجريمة ما لم تكن الأسباب التي أقيمت عليها البراءة مؤدية (بذاتها) إلى براءة المتهم المطلوب محاكمته أيضا و بحيث لو أن محاكمة المتهمين الاثنين كانت قد حصلت في دعوي واحدة لرمي الحكم فيها بالتناقض البين إذا هو أدان أحدهما وبرأ الآخر .
#تعلق الدفع بقوة الأمر المقضي بالنظام العام :#
يتعلق الدفع بقوة الأمر المقضي بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بالنظام العام . وينبني على ذلك جواز الدفع به في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض كما تقضي المحكمة بانقضاء الدعوى من تلقاء نفسها – في حالة توافر الشروط الصحيحة للدفع – ولو لم يبده أحد الخصوم أمامها. بل ولو تنازل المتهم عن الانتفاع به .
أما إذا تمسك المتهم بالدفع امام المحكمة ، فإنها تلتزم بتحقيق دفعه وتقضي بناء عليه بعدم جواز نظر الدعوى إذا تحققت من صحته أو ترد عليه إذا لم يصح الدفع . فان أغفلت ذلك كان حكمها معيباً بالقصور في التسبيب مستوجباً نقضه .

