
حلّ رئيس حكومة مالي، عبد الله مايغا، اليوم الاثنين، بالجزائر في زيارة عمل على رأس وفد هام، بدعوة من نظيره الجزائري سيفي غريب، في خطوة تأتي في سياق التحسن اللافت الذي شهدته العلاقات بين البلدين خلال الأسابيع الأخيرة، بعد أكثر من عام من أزمة دبلوماسية حادة.
وكان الوزير الأول الجزائري سيفي غريب في استقبال مايغا لدى وصوله إلى مطار الجزائر الدولي، في زيارة ذكر الإعلام الرسمي الجزائري إنها تندرج ضمن “الديناميكية الرامية إلى تعزيز أواصر التعاون والعلاقات التاريخية” بين الجزائر ومالي، بما ينسجم مع “روح الأخوة وحسن الجوار والاحترام المتبادل”.
وتكتسي زيارة مايغا أهمية خاصة بالنظر إلى أنها تأتي بعد سلسلة من الخطوات العملية التي اتخذها البلدان باتجاه تطبيع العلاقات، وبعد اتصال هاتفي بين رئيسي الوزراء في البلدين في التاسع من أوت الجاري، بمبادرة من الجانب الجزائري، وفق ما أعلنته الحكومة المالية.
وأكدت الحكومة المالية في بيان لها، أن دعوة مايغا إلى الجزائر جاءت عقب ذلك الاتصال، في مؤشر على رغبة السلطات في باماكو والجزائر في الانتقال من مرحلة التصعيد إلى حوار مباشر بين أعلى مستويات السلطة.
ويحمل رئيس الحكومة المالية، خلال زيارته، رسالة من رئيس المرحلة الانتقالية أسيمي غويتا إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ومن المنتظر أن يستقبل تبون مايغا في إطار الزيارة، إلى جانب عقد جلسات عمل مع نظيره الجزائري سيفي غريب.
وبحسب بيان الحكومة المالية، ستتمحور المباحثات حول سبل تعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، وإعادة بناء علاقات ثنائية تقوم على الحوار المباشر والتشاور والتعاون، مع التأكيد على مبادئ الاحترام المتبادل والثقة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة كل دولة.
ولم تكشف الحكومة المالية عن مضمون رسالة غويتا إلى تبون، غير أن توقيتها يمنحها أهمية سياسية، خصوصا أنها تأتي بعد انتقال العلاقات من القطيعة والتراشق الدبلوماسي إلى خطوات متسارعة لإعادة بناء جسور التواصل.
ومن المتوقع أن تشكل الملفات الأمنية والسياسية المرتبطة بمنطقة الساحل جزءا مهما من المحادثات، بالنظر إلى الموقع الجغرافي لمالي والعلاقات التاريخية التي تربطها بالجزائر، فضلا عن المصالح الأمنية المشتركة المرتبطة بالحدود الطويلة بين البلدين واستقرار منطقة شمال مالي.
كما ينتظر أن تبحث المحادثات ملفات التعاون الاقتصادي والتجاري، وحركة الأشخاص والنقل الجوي، إضافة إلى القضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالمناطق الحدودية، في ظل رغبة الطرفين في إعادة العلاقات إلى مستوياتها السابقة.
وكانت الجزائر قد أعلنت في يوليو الماضي تزامنا مع عودة السفيرين إلى منصبيهما، إعادة فتح مجالها الجوي أمام حركة الطيران المالي، بعد أكثر من عام على إغلاقه، في حين أعادت السلطات المالية بدورها فتح مجالها الجوي أمام الرحلات المرتبطة بالجزائر، في بداية لانتقال الأزمة إلى مسار تطبيع تدريجي.
ويأتي هذا التقارب بعد أزمة غير مسبوقة بين البلدين خلال العامين الماضيين. فقد بدأت التوترات تتصاعد بشكل واضح عقب قرار السلطات المالية إنهاء العمل باتفاق السلام والمصالحة في مالي الموقع عام 2015 برعاية جزائرية في يناير 2024.
وشكل الاتفاق لسنوات حجر الأساس للوساطة الجزائرية في الأزمة المالية، إذ سعت الجزائر من خلاله إلى التوفيق بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في شمال البلاد، قبل أن تقرر باماكو إنهاء العمل به، معتبرة أن الظروف التي أبرم فيها لم تعد قائمة.
وأدى القرار إلى توتر سياسي متزايد بين البلدين، خصوصا مع تبادل الانتقادات بشأن الدور الجزائري في الملف المالي. وكان عبد الله مايغا، الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية قبل توليه رئاسة الحكومة، أحد أبرز المسؤولين الماليين الذين تبنوا خطابا شديد اللهجة تجاه الجزائر خلال الأزمة.
لكن الأزمة بلغت مستوى أخطر في أبريل 2025، عقب حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود الجزائرية. وقالت الجزائر آنذاك إن قوات الدفاع الجوي أسقطت طائرة استطلاع مسيرة تابعة للقوات المالية بعد دخولها المجال الجوي الجزائري، استنادا إلى معطيات الرادار، بينما نفت باماكو ذلك واتهمت الجزائر بإسقاط الطائرة داخل الأراضي المالية.
وتحول الحادث إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، شملت إجراءات متبادلة واستدعاء السفراء، قبل أن تعلن الجزائر في السابع من أبريل 2025 غلق مجالها الجوي أمام جميع الرحلات القادمة من مالي أو المتجهة إليها.
ومنذ ذلك الحين، ظلت العلاقات تراوح بين التصعيد والجمود، قبل أن تبدأ مؤشرات التحول بالظهور تدريجيا خلال الأشهر الأخيرة مع مؤشرات متتالية على تغير الموقف بين البلدين. فقد بدأت الجزائر في اعتماد خطاب أكثر تركيزا على الحوار في منطقة الساحل، بالتوازي مع تحركات لإعادة ترتيب علاقاتها مع دول المنطقة بدءا بالنيجر.
وفي مالي، برز أيضا تحول واضح في خطاب عبد الله مايغا تجاه الجزائر. ففي خطاب ألقاه قبل أسبوعين في باماكو، ردد رئيس الحكومة المالية مقاطع من النشيد الوطني الجزائري “قسما”، قائلا: “نحن ثرنا فحياة أو ممات، وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر، فاشهدوا، فاشهدوا، فاشهدوا”.
وجاء ذلك خلال اختتام لقاءات الحوار المخصصة لتقييم السنوات الخمس من المرحلة الانتقالية في مالي، حيث تحدث مايغا عن العلاقات مع الجزائر بنبرة مختلفة تماما عن خطابه خلال فترة الأزمة.
وأكد أن البلدين تجاوزا مرحلة الخلاف السابقة، وأن هناك إرادة مشتركة لإعادة بناء العلاقات على أساس الاحترام المتبادل والحوار والمصالح المشتركة. كما أشار إلى وجود تقارب في المواقف بين غويتا وتبون، خصوصا فيما يتعلق باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
واستحضر مايغا خلال حديثه الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية بين الشعبين، مشيرا إلى أن عددا من المسؤولين الماليين تلقوا تكوينهم في الجزائر، ومن بينهم هو شخصيا، بما يبرز عمق العلاقات التي سبقت الأزمة الأخيرة.
ومن المرجح أن تسعى الجزائر، خلال زيارة مايغا، إلى تثبيت هذا المسار الجديد وتحصينه من الانتكاس، من خلال تحويل التقارب السياسي إلى آليات تعاون عملية، خصوصا في الملفات الاقتصادية ومجالات التنمية التي تحتاجها مالي إلى جانب قضايا أمن الحدود واستقرار الساحل.




