
عاشت الساحة السياسية لولاية البويرة على وقع ارتدادات عنيفة عقب الأنباء المؤكدة التي أفادت بتوقيف المصالح الأمنية المختصة لـ 9 أشخاص، من بينهم مسؤول حزبي بارز بإحدى البلديات، للاشتباه في تورطهم في قضية تزوير وممارسات غير قانونية مرتبطة بالعملية الانتخابية التشريعية.
وتكتسي هذه القضية حساسية بالغة لكون الموقوفين محسوبين كمقربين من مترشحي حزب “جبهة المستقبل” الذي تمكن من حصد 3 مقاعد برلمانية بالولاية.
تفاصيل الواقعة: خيوط شبكة “الهندسة الانتخابية”
تفيد المعطيات المتوفرة بأن التحقيقات القضائية والأمنية انطلقت بناءً على شكاوى وبلاغات مدعومة بقرائن حول وجود تلاعبات في محاضر الفرز وتوجيه أصوات الناخبين بطرق تدليسية.
-الملف الجنائي: يواجه الموقوفون التسعة تهمًا ثقيلة تتعلق بـ “المساس بنزاهة العملية الانتخابية”، “تزوير المحاضر الرسمية”، و”استغلال النفوذ”.
-هوية الموقوفين: تشير التحقيقات إلى أن الشبكة تضم مسؤولاً محلياً للحزب في إحدى بلديات الولاية، إلى جانب عناصر فاعلة في الحملة الانتخابية للمترشحين الفائزين، والذين كانوا يعملون كـ “مراقبين” أو “مؤطرين” مستغلين مناصبهم للعبث بصناديق الاقتراع وتضخيم الأصوات لصالح قائمة بعينها.
الخلفية السياسية: الصعود المفاجئ وحتمية الشبهة
تعد ولاية البويرة من الدوائر الانتخابية المعقدة في الجزائر بالنظر إلى تركيبتها الاجتماعية والسياسية. وحصول حزب “جبهة المستقبل” على 3 مقاعد برلمانية دفعة واحدة شكل مفاجأة للمراقبين، مما جعل النتائج تحت مجهر التدقيق من قِبل الأحزاب المنافسة والسلطة المستقلة للانتخابات.
-محور التحقيق: تتركز التحريات حول ما إذا كان التزوير قد تم عبر استبدال أوراق التصويت ليلاً، أو تعديل الأرقام في المحاضر الولائية النهائية للفرز (الـ PVs) لتمكين الحزب من تجاوز “العتبة الانتخابية” وضمان المقاعد الثلاثة على حساب تشكيلات سياسية أخرى كانت المؤشرات الأولية تمنحها الأفضلية.
الأبعاد والسيناريوهات القانونية والسياسية
تفتح هذه الفضيحة الباب أمام مسارات قانونية معقدة قد تعيد رسم الخارطة السياسية للولاية:
1. المسار القضائي الجزائي
الموقوفون يواجهون عقوبات صارمة وفقاً لقانون الانتخابات الجديد، الذي يجرّم أي محاولة لتغيير إرادة الناخبين بعقوبات تصل إلى السجن النافذ. القضاء يسعى حالياً لتحديد ما إذا كان المترشحون الفائزون بالمقاعد الثلاثة هم “الآمرون بالصرف” والمحرضون الفعليون على التزوير، أم أن الممارسات تمت باجتهاد شخصي من القواعد الحزبية.
2. الطعون الدستورية ومصير المقاعد
إذا أثبتت التحقيقات القضائية وجود تزوير مؤثر في المحاضر الرسمية، فإن المحكمة الدستورية هي الجهة المخولة قانوناً بالفصل في مصير هذه المقاعد. السيناريوهات المحتملة تشمل:
-إعادة احتساب الأصوات: إلغاء الأصوات المزورة وتعديل توزيع المقاعد لصالح القوائم التي تليها في الترتيب.
-إسقاط العضوية: في حال ثبوت تورط النواب الفائزين أنفسهم، يتم إسقاط صفة النيابة عنهم آلياً وتعويضهم ببدلاء من القوائم الأخرى.
امتحان لـ “نزاهة المسار”
تأتي هذه القضية كاختبار حقيقي للشعارات المرفوعة حول “أخلقة الحياة السياسية” ومحاربة المال الفاسد والتزوير. وتدخل المصالح الأمنية والقضائية بشكل سريع يعكس رغبة في توجيه رسالة حازمة بأن “العهد البائد” للتلاعب بالصناديق قد انتهى، وأن الحصانة الحزبية لن تحمي المتورطين.ومع ذلك، تضع هذه الحادثة حزب “جبهة المستقبل” في موقف دفاعي حرج على المستوى الوطني والمحلي، حيث سيكون مطالباً بتبرير تصرفات كوادره في البويرة، والدفاع عن شرعية مقاعده البرلمانية في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية النهائية والمحاكمات المرتقبة.




