الحدثوطني

رئيس أساقفة الجزائر : “زيارة البابا ستعيد مكانة القديس أوغسطينوس إلى الواجهة الدينية والتاريخية”

كشف رئيس أساقفة الجزائر، الكاردينال الجزائري الفرنسي جان بول فيسكو، في حوار مع فرانس24، عن أبعاد  زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر وأهدافها.

وقال الكاردينال الجزائري الفرنسي جان بول فيسكو أن “زيارة البابا تحمل بُعداً استثنائياً. فعندما يحل في بلد ما، لا يأتي مثقلاً بأجندات سياسية أو مصالح مادية. وهذه تحديداً قوته. لا يسعى إلى بيع شيء ولا يرتبط بعقود مسبقة، بل يحضر ببساطة للقاء الكنيسة والناس.

وفي حالتنا، تتجلى خصوصية الجزائر في كون الكنيسة فيها صغيرة تعيش وسط شعب مسلم. ولذلك فإن زيارته لا تقتصر على المسيحيين فحسب، بل تمتد أيضا إلى لقاء هذا الشعب بكل مكوناته”.

وتابع “تُعد هذه أول رحلة كبرى يخطط لها البابا ليون الرابع عشر بنفسه. ويكتسب اختيار أفريقيا دلالة عميقة. فقد أعلن خلال عودته من لبنان أن وجهته المقبلة ستكون القارة الأفريقية، معبرا عن رغبته في زيارة الجزائر تحديدا، في خطوة تهدف إلى تعزيز جسور الحوار والتقارب بين العالمين الإسلامي والمسيحي.

أما على الصعيد الشخصي، فلقد وجهتُ له الدعوة يوم انتخابه. كان رده فورياً وواضحاً: (إذا تلقيت دعوة، سأحضر بكل سرور). ومنذ تلك اللحظة، تسارعت الإجراءات وجرى توجيه الدعوة رسميا. كما قام هو بدوره بكل ما يلزم لإنجاح هذه الزيارة”

وعن خصوصية هذه الزيارة الباباوية إلى الجزائر قال فيسكو “ثمة مؤشرات قوية تدفعني للاعتقاد بأن الجزائر كانت من أولى الوجهات التي فكّر فيها. وهذا بحد ذاته حدث تاريخي، إذ ستكون أول زيارة لبابا (الفاتيكان) إلى الجزائر، البلد المسلم الذي تضم كنيسته حضورا محدوداً، مما يمنح هذه الزيارة طابعاً رمزياً عميقاً.

إنها ليست زيارة عادية. بل تحمل رسالة إنسانية وروحية خالصة، بلا أجندات خفية. فهي أرض القديس أوغسطينوس، وأرض الرهبان التسعة عشر الذين قتلوا خلال العشرية السوداء. الأمر الذي يضفي على هذه الزيارة بعدا تاريخيا وروحيا بالغ الأهمية”.

وفي رده عن سؤال :من كان وراء هذه الزيارة؟ هل كانت بمبادرة من الرئيس تبون أم من كنيسة الجزائر؟

رد الكاردينال فيسكو قائلاً “أعتقد أن الجزائر كانت تمتلك إرادة حقيقية وصادقة لاستقبال البابا. ومن المؤكد أنه سيُستقبل بحفاوة كبيرة.

من جهتي، كان هذا الأمل يرافقني منذ مدة أن يزور البابا الجزائر يوماً ما. حتى البابا فرنسيس سبق أن أعرب لي عن رغبته في القيام بهذه الزيارة، غير أن وضعه الصحي حال دون تحقيقها. ومع ذلك، وقبل نهاية عام 2024، وتحديداً في شهر نوفمبر من نفس السنة، جدّد لي رغبته في القدوم، ما يدل على أن الفكرة كانت مطروحة ومتداولة منذ وقت طويل.

كما جاءت زيارة المونسينيور غالاغر (عضو في السلك الدبلوماسي للكرسي الرسولي وأمين العلاقات مع الدول في أمانة سر دولة الفاتيكان منذ نوفمبر 2014) في هذا السياق العام، بدون أن تكون نتيجة خطة أو استراتيجية محددة.

ثم جاءت المصادفة ذات الدلالة العميقة: انتخاب البابا ليون الرابع عشر في 8 ماي 2025. وهو اليوم الذي تحيي فيه الكنيسة ذكرى شهداء الجزائر (يقصد الرهبان 19 الذين اغتيلوا خلال ما يعرف بأحداث “العشرية السوداء” الدامية في تسعينيات القرن الماضي)، فقلت له حينها: بما أنك انتُخبت في هذا اليوم بالذات، يجدر بك أن تكون أول بابا يزور الجزائر. فجاء رده فورياً وواضحاً: (سآتي بكل سرور إذا وُجّهت إلي الدعوة)”.

وبخصوص مصلحة الجزائر في استقبال البابا ليون الرابع عشر، أوضح فيسكو “أعتقد أنه لا يوجد بلد في العالم لا يتمنى استقبال البابا. والجزائر كغيرها من الدول تنظر إلى هذه الزيارة بترحيب واعتزاز. وأتصور أن الرئيس عبد المجيد تبون سيعتبرها شرفا وسيحرص على تنظيمها في أفضل الظروف.

صحيح أنه يمكن تقديم تأويلات متعددة لهذه الزيارة. إذ قد يذهب البعض إلى القول إنها قد تُوظف سياسياً أو إعلامياً، لكنني لا أعتقد أن هذا هو جوهر ما يحدث. ما يجري في العمق يتجاوز هذه القراءات الضيقة.

فالجزائر بلد لا يزال يعاني من صورة دولية معقدة ومن ماضٍ مثقل بالجراح. واستقبال شخصية روحية بحجم البابا يحمل بعدا رمزيا وإنسانيا قويا، وقد يساهم في إعادة إبراز وجه آخر للبلد، قائم على الانفتاح والحوار.

وبطبيعة الحال، لا يمكن تجاهل البعد السياسي بالكامل. فكل دولة ترى في مثل هذه الزيارات مصلحة ما، وهذا أمر طبيعي. لكن اختزال الحدث في هذا الجانب فقط سيكون تبسيطا مخلا، لأن الأبعاد الروحية والإنسانية تظل هي الأعمق والأكثر تأثيراً”.

هل رسالة الجزائر هي رسالة انفتاح؟

نعم. إنها بالفعل رسالة انفتاح. هناك شعور بالفخر إلى جانب قدر من الفضول. فالجزائريون يشعرون بالاعتزاز باستقباله، حتى وإن كانت فرصة رؤيته محدودة للأسف.

البلد بأكمله يترقب هذه الزيارة. وأعتقد أن الأمر يتجاوز مجرد صورة أو انطباع. فالجزائر تطمح لأن تكون كذلك فعلاً، وأن تُجسّد صورة بلد يشهد على قيم الانفتاح والحوار.

هل تقصد الانفتاح الديني؟

نعم. منذ نشأتها، كانت الجزائر من جهة مطبوعة بفكرة تميل إلى نوع من العلمانية. لكن من جهة أخرى، بنت استقلالها أيضا على أساس انتماء ديني. ولذلك فالمسألة معقّدة.

ثم إن الجزائر بلد متعدد الأبعاد. وأنا من الذين لا يحبّون حصره في صور نمطية جاهزة. هذه الزيارة تُربك تلك الصور النمطية. وهذا أمر إيجابي لأن الجزائر أعمق بكثير من تلك الاختزالات. لها تاريخ طويل ومعقّد.

وكون البابا يأتي أيضا في سياق مرتبط بالقديس أوغسطينوس يمنح هذا التاريخ عمقا إضافيا. فهناك تاريخ مسيحي وتاريخ سابق للمسيحية، وتاريخ ما قبل الإسلام، وكذلك تاريخ ما قبل الاستعمار. كل هذه الطبقات التاريخية حاضرة في الذاكرة والروح الجزائرية، حتى وإن تمّ غالبا اختزالها في صورة واحدة مبسطة.

ما علاقة البابا ليون الرابع عشر بالقديس أوغسطينوس؟

ينتمي البابا إلى رهبانية دينية تأسست في القرن الثالث عشر، أي بعد نحو تسعة قرون من وفاة القديس أوغسطينوس. أما أوغسطينوس نفسه، فلقد وضع قاعدة روحية للحياة الدينية. وقد استلهمت منه عدة تيارات رهبانية عبر التاريخ. وبالتالي، فإن هذه الرهبانية تنتمي منذ نشأتها إلى هذا الإرث الروحي الأوغسطيني.

ويولي البابا أهمية كبيرة للقديس أوغسطينوس ويستشهد به كثيرا في كتاباته وخطاباته. وقد زار الجزائر مرتين سابقا عندما كان رئيسا عاما لرهبانيته. ما يعني أنه يعرف هذه الأماكن جيدا. لذلك فهو لا يأتي في إطار حجٍّ شخصي لاكتشاف أرض جديدة، بل إن لهذه الأرض حضورا ومعنى خاصا في تجربته الروحية والشخصية.

وعندما يتحدث عن رغبته في مواصلة بناء الجسور بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، فإن اختياره البدء بالقارة الأفريقية، وبالجزائر تحديدا، ينسجم مع هذا التوجه، ويعكس امتدادا لنهج البابا فرنسيس.

ومن اللافت أيضا أن أولى زياراته كانت إلى دول ذات أغلبية مسلمة: تركيا، ثم لبنان ثم الجزائر. وهذا يحمل دلالة على البعد الكوني لرسالته وعلى طبيعة الدور الذي يسعى إلى تجسيده كبابا للكنيسة الكاثوليكية.

لماذا لا يُدرَّس فكر أوغسطينوس في الجزائر؟

طبعا يمكن القيام بذلك. يكون الرئيس (الراحل عبد العزيز) بوتفليقة، عندما نظم مؤتمرا كبيرا حول القديس أوغسطينوس في عام 2002، قد طرح على نفسه نفس السؤال الذي تطرحه الآن. ومع ذلك، ورغم عدم تدريسه بالمدارس والجامعات الجزائرية، إلا أن حضوره في الأذهان ظل حيا ليومنا هذا.

فأنا لست متأكدا بأن يحظى القديس أوغسطينوس بشهرة أكبر في باريس من الجزائر.

كيف يمكن للكنيسة أن تساعد المهاجرين المسيحيين غير الشرعيين المقيمين في الجزائر؟

نزور أكثر من خمسين سجنا يوجد فيها مسيحيون، وذلك بالتعاون مع السلطات وإدارة السجون الجزائرية. كما نبقى على تواصل مع عائلاتهم.

إن وضع المهاجرين غير الشرعيين صعب جدا. وهم لا يشكلون العدد الأكبر داخل جماعاتنا، ولا نراهم كثيرا. لذلك نحاول دعمهم قدر الإمكان ومرافقتهم بما نستطيع.

عمّــــار قــــردود

التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى