الحدثدولي

تداعيات سحب مالي اعترافها بالجمهورية الصحراوية ودعمها لمغربية الصحراء الغربية على علاقاتها مع الجزائر وعلى الوضع في منطقة الساحل: هل سترد الجزائر على باماكو بقطع العلاقات الدبلوماسية معها؟

يُعد قرار النظام العسكري في مالي بسحب اعترافه بـ “الجمهورية الصحراوية” وإعلان دعمه لمغربية الصحراء الغربية ،اليوم الجمعة، تحولاً جيوسياسياً دراماتيكياً في منطقة الساحل والشمال الإفريقي. هذا القرار لا يمس فقط بملف الصحراء الغربية، بل يُعيد تشكيل خارطة التحالفات والعداوات الإقليمية.

فما هي تداعيات هذه الخطوة على علاقات مالي مع الجزائر، وعلى الوضع في منطقة الساحل، وما هي احتمالات الرد الجزائري؟

أولاً: التداعيات على العلاقات المالية الجزائرية
هذه الخطوة تُمثل “الإعلان الرسمي” عن انهيار عقود من العلاقات المتميزة بين الجزائر ومالي، وتُدخل البلدين في مرحلة “العداء المفتوح”.

1. تعميق الأزمة القائمة: العلاقات بين باماكو والجزائر متدهورة بالفعل منذ وصول المجلس العسكري للسلطة، ووصلت لذروتها في جانفي 2024 عندما أعلنت مالي “الانسحاب الفوري” من اتفاق السلام والمصالحة المنبثق عن “مسار الجزائر” (2015). القرار الجديد يُجهز على أي أمل قريب لعودة الوساطة الجزائرية.

2. ضربة لثوابت الدبلوماسية الجزائرية: تعتبر الجزائر ملف الصحراء الغربية قضية سيادية ومبدأً راسخاً في سياستها الخارجية (دعم حق تقرير المصير). سحب مالي، وهي دولة جارة ولها حدود طويلة مع الجزائر، لاعترافها بالبوليساريو ودعمها للمقترح المغربي (الحكم الذاتي) يُعد طعنة مباشرة لأهم ملف خارجي للجزائر.

3. تكريس منطق “المكايدة”: كما ذكرت التقارير الإخبارية، القرار ليس مدفوعاً بتغير قناعات مالي بقدر ما هو رد فعل انتقامي (“نكاية”) ضد الجزائر. المجلس العسكري في باماكو يريد إيصال رسالة قوية للجزائر بأنها “لم تعد تملك أوراق ضغط” في مالي، وأن “زمن الوصاية قد ولى”.

4. اتهامات متبادلة بالتآمر: من المتوقع أن يزداد خطاب التخوين؛ باماكو ستتهم الجزائر بـ “دعم الإرهاب والانفصاليين” شمال مالي (الطوارق والجماعات الجهادية)، بينما ستتهم الجزائر مالي بـ “الخيانة” و”الارتماء في أحضان أعداء الجزائر” (في إشارة للمغرب وحلفائه الغربيين).

ثانياً: التداعيات على الوضع في منطقة الساحل
هذا القرار يعمق حالة الاستقطاب والهشاشة الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي التي تعاني أصلاً من حروب الجماعات المتشددة والانسحابات الغربية.

1. الانقسام الإقليمي الحاد:
منطقة الساحل تنقسم الآن بوضوح إلى محورين:

أ-محور النيجر-مالي-بوركينا فاسو (دول تحالف الساحل): أنظمة عسكرية مناهضة لفرنسا، تتقرب من روسيا (عبر “فاغنر”/فيلق أفريقيا)، والآن تتقرب من المغرب كبديل اقتصادي وسياسي عن الجزائر.

ب-محور الجزائر-البوليساريو-موريتانيا (بدرجة أقل): محور يحاول الحفاظ على الوضع القائم ويدعم أطروحة الاستقلال، لكنه يجد نفسه معزولاً تدريجياً في منطقة الساحل.

2. زيادة الهشاشة الأمنية على الحدود: الجزائر ومالي تتشاركان حدوداً صحراوية طويلة وشاسعة (تفوق 1300 كلم). انهيار الثقة بين الجيشين يُضعف التنسيق الأمني والاستخباراتي الضروري لمكافحة الجماعات الإرهابية (مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” و”داعش في الصحراء الكبرى”). هذا الجفاء قد يخلق “مناطق رمادية” تستغلها هذه الجماعات للتمدد وشن هجمات، مما يهدد أمن البلدين والمنطقة ككل.

3. تعاظم النفوذ المغربي (الدبلوماسي والاقتصادي): هذا القرار سيعتبره نظام المخزن وأبواقه الإعلامية “انتصاراً دبلوماسياً كبيراً” للمغرب في عمقه الأفريقي. مالي ترى في المغرب شريكاً اقتصادياً قوياً ومستقراً، وبديلاً عن الجزائر التي تعتبرها باماكو “شريكاً يتدخل في شؤونها الداخلية”.

4. خلط أوراق الأزمة في شمال مالي: الجزائر كانت تعتبر الضامن لاتفاق السلام مع حركات الطوارق شمال مالي. الآن، ومع العداء المفتوح بين باماكو والجزائر، وسحب مالي لاعترافها بالجمهورية الصحراوية (التي قد يتعاطف معها بعض قادة الطوارق تاريخياً)، فإن قواعد اللعبة في الشمال تتغير بشكل كلي. قد تدفع مالي نحو حل عسكري شامل مدعوم من روسيا ضد الطوارق، مما قد يُفجر أزمة لاجئين جديدة على الحدود الجزائرية.

ثالثاً: هل سترد الجزائر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع باماكو؟

هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً، ولكنه ليس حتمياً على الفور، فالجزائر ستزن خياراتها بعناية.

أسباب تدفع نحو قطع العلاقات:

1-الــ”provocation”(الاستفزاز) الصارخة: حجم الاستفزاز المالي للجزائر غير مسبوق في تاريخ علاقات البلدين.

2-تطبيق سوابق دبلوماسية: الجزائر سبق وقامت بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في أوت 2021 لأسباب (منها اتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية ودعم جماعات انفصالية)، فمن المنطقي أن تطبق نفس المعيار مع مالي التي قامت بأفعال مشابهة.

3-توجيه رسالة ردع: الجزائر قد تلجأ لقطع العلاقات لإيصال رسالة قوية لباقي دول الساحل (مثل النيجر وبوركينا فاسو) بأن تجاوز خطوطها الحمراء في ملف الصحراء الغربية سيكون له ثمن باهظ.

أسباب قد تجعل الجزائر تتريث:

1-الحفاظ على قنوات اتصال أمنية: قطع العلاقات بالكامل يغلق أي قناة اتصال رسمية ضرورية لإدارة الأزمات الحدودية العاجلة.

2-تجنب العزلة التامة: الجزائر تجد نفسها معزولة دبلوماسياً في الساحل، فقطع العلاقات مع مالي قد يُنظر إليه على أنه “هروب للأمام” بدلاً من إيجاد حلول للأزمة.

3-الحفاظ على نفوذ رمزي: إبقاء السفارة مفتوحة (حتى بمستوى تمثيل منخفض) يسمح للجزائر بالحفاظ على حد أدنى من الوجود والرصد في باماكو.

من المرجح جداً أن تبدأ الجزائر بسلسلة من الإجراءات التصعيدية المتدرجة: سحب السفير للتشاور، تعليق العمل بالاتفاقيات الثنائية المتبقية (خاصة الاقتصادية)، تشديد المراقبة على الحدود (وربما غلقها مؤقتاً)، وأخيراً، الإعلان عن قطع العلاقات الدبلوماسية إذا لم تقدم باماكو مؤشرات على التهدئة (وهو أمر مستبعد). الرد الجزائري سيكون بلا شك “قاسياً” ليتناسب مع حجم “الإهانة”.

عمّــار قــــردود

التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى