
أصدرت العدالة الجزائرية أحكام ثقيلة بالسجن بحق مسؤولي فرع شركة أمنية فرنسية تنشط في الجزائر، بتهمتي “التجسس”، و”تسريب معطيات ذات طابع استراتيجي تضر بمصلحة البلاد”، في سياق أزمة متفاقمة بين البلدين منذ نحو 20 شهراً، أخذت طابع كرة الثلج التي يتضخم حجمها كلما واصلت تدحرجها.
وأصدرت محكمة الجنايات بالدار البيضاء، بالجزائر العاصمة، أحكاماً ثقيلة بحق المتهمين، فيما أصبح يعرف بـ”قضية الشركة الأمنية الفرنسية العاملة في الجزائر”، والمتابعين فيها بتهم تتعلق بـ”التجسس والتخابر وتسريب معلومات استراتيجية”.
وقضت المحكمة بسجن المسؤولين الأول والثاني في الشركة، وهما جزائريان (ز. عثمان) و(خ. زواوي) لمدة 20 سنة سجناً مع التنفيذ لكل منهما. كما حكمت على المتهمة الثالثة، وهي جزائرية أيضاً، (س. صابرينة)، بسنة واحدة سجناً نافذاً، علماً بأنها مثلت أمام هيئة المحكمة في حالة سراح، حيث وجهت لها النيابة تهمة “عدم التبليغ”. أما “التجسس والتخابر” فهي التهمة التي وجهت لمسؤولي الشركة.

وتسمى الشركة المعنية “أمارانت”، وتُعد من أبرز الفاعلين الأوروبيين في مجال السلامة وحماية المؤسسات، وهي متخصصة في مرافقة عملائها في تأمين أصولهم، من خلال توفير الظروف اللازمة لتطوير أنشطتهم، بما في ذلك في المناطق الحساسة.
وأكدت الصحافة الوطنية، التي نقلت أطوار المحاكمة، أن القضاء “فتح أحد أكثر الملفات حساسية خلال السنوات الأخيرة فيما يتعلق بالمساس بأمن الدولة”. ويتعلق الأمر بـ”تسريب معلومات استراتيجية إلى جهات أجنبية، من شأنها إلحاق ضرر جسيم بالاقتصاد الوطني”.

وتخص الوقائع الفرع الجزائري التابع للمجمع الفرنسي “أمارانت إنترناشيونال”، ورغم أن الشركة متخصصة رسمياً في الأمن الخاص، وحماية الشركات والمصانع، ونقل الأموال، فإن هذه الهيكلة يشتبه في أنها استخدمت في الواقع غطاءً لنظام منظم لجمع ونقل معلومات حساسة، تمس بأمن البلاد ووضعها الاقتصادي، وفق ما توصلت إليه تحقيقات الأمن الجزائري، والتي اتخذت أساساً لملاحقة واتهام مسؤولي الشركة.
وتضمنت لائحة الاتهام “جمع ونقل معلومات إلى جهات أجنبية من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني”، إلى جانب “ممارسة أنشطة تجارية خارج نطاق السجل التجاري، من دون ترخيص قانوني”، و”مخالفة قرارات إدارية”.
وكانت الشركة قد سجلت سنة 2009 لدى “المركز الجزائري للسجل التجاري” بوصفها مكتب دراسات واستشارات في مجال الاستثمار، غير أن التحقيقات أظهرت أنها غيرت طبيعة نشاطها بشكل غير قانوني عدة مرات، إلى أن تحولت، بحسب المحققين، إلى ما يشبه منصة لإعداد تقارير مفصلة حول الأوضاع الأمنية والاقتصادية في الجزائر.

وبحسب التحريات، فإن التقارير التي جرى إرسالها إلى الخارج تضمنت «معطيات تتعلق بعمليات الشرطة في عدد من الولايات، من دون أي صلة بالنشاط المصرح به في السجل التجاري». كما ذكرت التحقيقات أن مسؤولي الشركة “أعدوا وعمموا خرائط أمنية تصنف مناطق البلاد وفق درجات المخاطر”، في خطوة عُدّت محاولة للتأثير سلباً على قرارات المستثمرين الأجانب، والإضرار بجاذبية الجزائر الاقتصادية.
ووفق التحقيقات نفسها، فقد استخدم مسؤولو “أمارانت” معدات اتصال غير مرخص بها في مناطق شديدة الحساسية، لا سيما مطاري الجزائر العاصمة ووهران بغرب البلاد. كما كانوا يقدّمون خدمات لعدة شركات أجنبية تنشط في الجزائر، وهي معطيات تعزز شبهة وجود مخطط منظم ومنهجي للتجسس الاقتصادي، تحت غطاء أنشطة تجارية مشروعة، حسبما ورد في أوراق الملف.

قضية تجسّس شركة “أمارانت”…هكذا كانت فرنسا تخرب الاقتصاد الجزائري…!
تطرق تقرير لموقع “الجيري باتريوتيك” إلى تفاصيل الحكم القضائي الصادر عن محكمة الجنايات الابتدائية بالدار البيضاء في العاصمة، والذي كشف خيوط مخطط تخريبي استهدف الأمن القومي والعمق الاقتصادي للبلاد. وقد أدانت المحكمة المتهمين الرئيسيين في قضية شركة “أمارانت إنترناشيونال” الفرنسية بعقوبات تصل إلى 20 سنة سجناً نافذاً، بعد ثبوت تورطهم في أنشطة استخباراتية تحت غطاء تجاري.
وأوضح التقرير أن الشركة “SARL Amarante International Algérie”، التي بدأت نشاطها في الجزائر عام 2009 كمكتب دراسات، انحرفت عن مسارها القانوني لتتحول إلى “واجهة” لجمع بيانات استراتيجية. ولم تكن هذه البيانات مجرد تقارير عادية، بل شملت حصائل دورية لعمليات الأجهزة الأمنية، وخرائط تصنيف المخاطر في الجزائر ومنطقة الساحل، بالإضافة إلى رصد دقيق للوضع الاجتماعي والاقتصادي في مختلف الولايات.
ورغم محاولات المتهمين نفي التهم المنسوبة إليهم أثناء الجلسة، إلا أن رئيس المحكمة واجههم بقرائن تقنية “دامغة” استُخلصت من هواتفهم وحواسيبهم المحمولة. وأظهرت الخبرة الفنية وجود مراسلات دورية وتقارير أسبوعية كانت تُرسل إلى مسؤولين في الشركة الأم بفرنسا، من بينهم ضباط سابقون في المخابرات الفرنسية، مما يؤكد الطبيعة التجسسية لهذه الأنشطة.
ومن أخطر ما كشف عنه التقرير والتحقيقات الأمنية، هو تعمد الشركة إرسال تقارير “سوداوية” ومضللة حول الوضع الأمني في الجزائر إلى شركات أجنبية. وكان الهدف من هذه التصنيفات “Alarmist” (التحذيرية) هو ثني المستثمرين الدوليين عن دخول السوق الجزائرية، وضرب المساعي الوطنية الرامية لتعزيز الجاذبية الاقتصادية للبلاد، وهو ما اعتبره القضاء “خيانة للمصالح العليا للأمة”.
اللافت في القضية أن مسؤولي الشركة استمروا في ممارسة نشاطهم المشبوه من داخل منازلهم، ضاربين عرض الحائط بقرار إداري يقضي بغلق الشركة صادر في ديسمبر 2023.
كما كشفت التحريات عن تورط الشركة في تقديم خدمات أمنية غير مرخصة بمحيط منشآت حساسة مثل مطاري الجزائر ووهران، واستعمال أجهزة اتصال لاسلكية دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة.
من هي شركة “أمارانت إنترناشيونال” الفرنسية؟

سبق أن لعبت شركة الأمن الخاصة “أمارانت إنترناشيونال” الفرنسية التي يترأسها ألكسندر هولاندر ،والتي خولتها الجزائر بالدخول إلى معترك العقود الأمنية الجزائرية، أدواراً مختلفة في مناطق الصراعات بالشرق الأوسط، حيث قامت من قبل بإعداد تقرير مفصل عن اليمن وسوريا، وطبيعة الحروب الدائرة هناك.
وأسست هذه الشركة في عام 2007، وتعد أحد مزودي خدمات الأمن والاستخبارات الرائدين في أوروبا.
وكتبت في التعريف الخاص بها على موقعها الإلكتروني “نحن نسعى جاهدين لمساعدة عملائنا على تأمين أصولهم من خلال التأكد من أنها تتطور في الظروف المناسبة، حتى في أكثر البيئات صعوبة”.
كما تقدم “أمارانت” للحكومة الفرنسية، ولشركات خاصة، ومؤسسات دولية رسمية، حلولا أمنية لحماية الأصول الرئيسة، وتقديم دراسات خاصة بالمعلومات والتكنولوجيا المتطورة، مثل بيانات البحث والتطوير والوثائق السرية.
وتعتمد الشركة الفرنسية على أكثر من 1250 موظفاً دائماً في 22 شركة بجميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى اعتمادها على مجموعة تضم قرابة ألفي خبير في الأمن وإدارة الأزمات وتحليل المخاطر، يقدمون خبرتهم في مشاريع فردية وطويلة الأجل.
وتحصلت منذ سنوات على عقود أمنية في ليبيا، لذلك فمن المنتظر أن تلعب أدواراً متقدمة في الصراع الليبي، وأن تكون أحد الأذرع الفرنسية العابثة في هذا الملف الدامي.
ففي 19 أبريل 2022 كشفت مجلة “إنتيليجنس أونلاين” الفرنسية المتخصصة في شؤون الاستخبارات، أن هناك معركة محتدمة داخل أوروبا على العقود الأمنية، تتزعمها فرنسا.
وذكرت المجلة أن “شركة (أمارانت إنترناشيونال) الأمنية، ومقرها باريس، فازت بالعقد الأمني لبعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في ليبيا، وتعد الصفقة مكسباً كبيراً لفرنسا، خاصة وأنها قد خصص لميزانيتها 42 مليون يورو على مدار عامين فقط”.
وانتزعت الشركة الفرنسية هذه الصفقة من شركة النفط الإيطالية (إيني) العاملة في ليبيا منذ سنوات طويلة.
وقالت إنتيليجنس أونلاين، إن “العقود الأمنية المسلحة الرئيسة، أصبحت موضوع سجالات مكثفة بين مقدمي الخدمات المتخصصين الأوروبيين، وفي الوقت نفسه الوضع الأمني على الأرض لا يزال حرجا، ويمكن أن يتطور لاحقاً”.
وأضافت أن “أمارانت إنترناشيونال تتمتع بعلاقات قوية مع السلطات الليبية، التي فضلتها على غيرها من الشركات الأوروبية الأخرى”.
وهذه الصفقة ليست الأولى التي تصادق عليها إدارة ماكرون في ليبيا، بل رصدت تقارير دولية خلال الشهور الأخيرة تورط شركات فرنسية أخرى ببيع معدات تجسس إلى اللواء الانقلابي حفتر.
ففي 27 نوفمبر 2021، نشرت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية تحقيقا يؤكد تورط شركة “نيكسا تكنولوجي” الفرنسية المتخصصة في الاعتراضات التكتيكية، في صفقة بيع نظام مراقبة اتصالات لمليشيا حفتر المعروفة باسم “الجيش الوطني الليبي”.
وأوضحت “ليبراسيون” في تحقيقها أن تلك الصفقة جرت بواسطة شركة في الإمارات العربية المتحدة.
وذكرت أن المحققين التابعين للمكتب المركزي لمكافحة الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجرائم الحرب اكتشفوا هذه الصفقة في جوان 2021، حين كانوا بصدد التحقيق في حيثيات عقد آخر أبرمته شركة “نيكسا تكنولوجي” مع مليشيا حفتر.
وأكدت الصحيفة أن الشركة الفرنسية كانت تستعد لتزويد جهة فاعلة غير حكومية وغير معترف بها من قبل المجتمع الدولي بأحدث معدات المراقبة، إلى جانب التحايل على الحظر الذي فرضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 2011 بخصوص بيع هذه المعدات.
وأضافت أن نظام “ألفا ماكس” الذي حصل عليه حفتر من الشركة الفرنسية أتاح له التجسس على جميع المكالمات الهاتفية في أي منطقة داخل البلاد، من خلال خاصية الاعتراض التكتيكي.
واتهمت “ليبراسيون” إدارة ماكرون بغض الطرف عن تقديم شركة نيكسا خدمات للأنظمة التي لا تحترم حقوق الإنسان، كما هو الحال مع حفتر في ليبيا.
عمّــــار قـــردود


