الدكتور عبد البر الصياد يكتب…”تأثر حق المؤلف بتقنيات الذكاء” الاصطناعى

تأثر حق المؤلف بتقنيات الذكاء الاصطناعى
يثور التساؤل عن أثر التغيرات التكنولوجيه على قوانين الملكية الفكريه الحاكمه للأعمال التى يتم التوصل إليها بمعرفة تطبيقات الذكاء الاصطناعى وبمعنى آخر، هل تختلف أحكام حق المؤلف حالة إستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى عن تلك القواعد العامه؟
هل إختلاف أسلوب التعبير عن الأعمال الادبيه والفنيه والاعتماد على التقنيات الحديثه أو إختلاف وسائل إعداد هذه الأعمال له مردود على إعمال القواعد العامه لحق المؤلف؟
هل هناك ما يدعو لتدخل المشرع لتقنين استخدام هذا النوع من التقنيات الحديثه؟
إن الاجابه على هذه الاسئله يقتضي بحث المستجدات التى إستحدثتها تطبيقات الذكاء الاصطناعى على الأحكام القانونيه القائمه لتنطبق على هذه التقنيات الحديثه للذكاء الاصطناعى لحين تدخل المشرع وإصدار القوانين التى تتناسب وهذه المستجدات، سيكون ذلك بعرض بعض الاشكاليات القانونيه التى ترتبط بإستخدام الذكاء الاصطناعى في مجال حق المؤلف وكذلك إستعراض الحلول القانونيه المقترحة
حق التأليف وملكية المصنف
فى بداية الامر، من هو المؤلف أو صاحب حق التأليف؟
هل من الممكن أن تتوصل تطبيقات الذكاء الاصطناعى لتقديم أعمال أدبيه أو فنيه؟
وإذا كان ذلك ممكنا عملا، هل يمكننا إطلاق وصف “المؤلف” على ذلك التطبيق وبالتالى التمتع بكافة الحقوق والالتزامات المترتبه على هذا الوصف؟
لتوضيح هذه المشكلة نورد المثال التالى:-
إذا قام شخص بخلق وتدريب تطبيقا للذكاء الاصطناعى هذا التطبيق يمكنه تنفيذ مهام البرمجه بطريقه معينه وفقا لما تم برمجته عليها، فمن يكون مالك هذا التطبيق الجديد؟
وهل تعتبر المعادلات والخوارزميات ومهام البرمجه الأخرى التى قام بها التطبيق من قبيل المصنفات التى يمكن حمايتها بحق المؤلف؟
ثم ما هو الوضع بالنسبه لما ينتح عن التطبيق الثانى من أعمال فنيه- أدبيه هل يعتبر ذات الشخص مؤلفا ومالكا لها،أم أنها تنسب للتطبيق الأول أو للتطبيق الثانى “الجديد”؟
إن القول بأن الشخص الذى قام بخلق وتدريب التطبيق الاول هو صاحب حق المؤلف ومالك التطبيق الجديد وما يؤديه من مهام ليس بالضرورة هو قول سليم، حيث إنه من الضروري فى هذا المقام تحديد صاحب حق المؤلف ومالك المصنف
بالنسبه للتطبيق الثانى أولا ثم تحديد ذلك بالنسبه لما نتج عنه من مهام
ثانيا/ فهل يمكن النظر إلى التطبيق الثانى بإعتباره مصنفا مشتقا من التطبيق الاول أم أنه يعتبر عملا مستقلا يستوجب الحمايه بصوره مستقله عن حماية التطبيق الاول؟
ثم ماذا عن تطبيق الذكاء الاصطناعى الأول الذى تم التوصل إليه وتدريبه وتغذيته بالبيانات اللازمه بمعرفة أكثر من متخصص، من يعتبر منهم مالكا للتطبيق؟
وما هو الوضع بالنسبه لما ينتجه هذا التطبيق من أعمال تستحق الحمايه؟
هل تصبح ملكا للتطبيق أم لمالكى التطبيق أو لأى منهم؟
بالنظر إلى قواعد استحقاق وصف “المؤلف” وشروط هذا الوصف، فقد ثار جدلا واسعا في هذا الشأن بين تشريعات الكثير من الدول، وذلك بسبب الكثير من الحوادث التى يكون فيها من توصل إلى إنتاج عمل أدبى أو فنى ليس بشريا، وإنما قد يكون حيوانا كما فى نايترو ستارت وفيها كان الإدعاء بطلب إثبات صفة المؤلف وبالتالى حق التأليف لقرد تمكن من إلتقاط صوره مميزه جدا
بإستخدم هاتف ذكى أو أى شىء أخر كماكينه أو تكنولوجيا حديثه وما إلى ذلك والسبب فى ذلك يرجع إلى عدم الوضوح أو عدم دقة ألفاظ بعض التشريعات كما فى حالة الولايات المتحدة الأمريكية والتى مرت بالعديد من التحديثات القضائية فى تفسير النصوص القانونيه لأجل تحديد المقصود بوصف المؤلف وعلى الرغم من ذلك، كان هناك العديد من التوجيهات والشروح التى اعتمدت عليها حقوق النسخ والتى يستخلص منها أنه لا يجوز منح وصف المؤلف لغير الآدميين وبالتالى لا يجوز حماية الأعمال التى ظهرت بفعل الطبيعة أو النباتات كما ميزت هذه التوجيهات بين الاعمال الفنيه والادبيه التى تكون بفعل ماكينات وتلك التى تكون بفعل الإنسان ، وذكرت أنه لا يجوز تسجيل عمل أدبى أو فنى ناتج عن ماكينة بصوره تلقائيه أو بفعل المصادفه دون جهد بشرى واضح من شخص المؤلف.
وذلك على العكس من بعض التشريعات الأخرى التى تعاملت بصوره صريحه من تحديد المقصود بكلمة مؤلف مع تحديد موجبات التمتع بهذا الوصف، كما هو الحال بالنسبه لقانون حماية الملكية الفكريه رقم ٨٢ لسنة٢٠٠٢ نص هذا القانون في المادة ١٣٨ على أنه “المؤلف هو”
الشخص الذى يبتكر المصنف ويعد مؤلفا للمصنف من يذكر اسمه عليه أو ينسب اليه عند نشره بإعتباره مؤلفا له ما لم يقم الدليل على غير ذلك.
“الواضح من نص هذه المادة أنا قصرت حق المؤلف على الشخص الذي يبتكر المصنف”بما يفيد انه لا يمكن منح هذا الوصف لغير الأشخاص من الحيوانات والجمادات وغيرها من الأشياء بناء على ذلك، فإنه يمكننا القول صراحة بان القانون المصرى لا يجيز منح وصف المؤلف لتطبيقات الذكاء الاصطناعى وغيرها من تطبيقات التكنولوجيا.
وبالتبعيه لما تقدم هل يمكن إعتبار الأعمال الفنيه والادبيه التى يتم التوصل اليها بمعرفة هذه التطبيقات من قبيل الأعمال المستحقه للحمايه بحق المؤلف؟
هل يمكن تدخل المشرع بنصوص قانونيه تتيح وصف تطبيقات الذكاء الاصطناعى- أو تطبيقات التكنولوجيا بصفه عامه-بوصف المؤلف؟
فى الحقيقه أنه امام صراحة النصوص أو التوجيهات التى تشترط كون المؤلف شخصا فإنه لا يمكن الاجتهاد في هذا الأمر ومد نطاق تطبيق هذه النصوص على الأعمال الفنيه والادبيه الناتجه عن تطبيقات الذكاء الاصطناعى وبالتالى حتى ولو توصل أى من تطبيقات التكنولوجيا إلى عمل من الاعمال التى تستحق الحمايه فإنه لا يمكن نسبة هذا المصنف إلى التطبيق ومنحه هذا الحق لافتقاده لشرط أساسي ألا وهو الجهد البشرى.
وهنا يثور التساؤل عمن يكون المؤلف في مثل هذه الحالات؟
إن الاجابه على هذا السؤال تقتضى التعرف على طريقة عمل تطبيقات الذكاء الاصطناعى وكيف يمكن ان تكون هى الفاعل الاساسي في التوصل إلى عمل فني أو أدبى قابل للحماية بحق المؤلف.
فى حقيقة الامر، لا يمكن للآله(حاسب آلي أو روبوت او تطبيق للذكاء الاصطناعى)
ان تقوم بعمل كامل دون تدخل من الإنسان، ولكن دور الإنسان يختلف في هذه المسأله ويمر بأكثر من مرحله خلال رحلة عمل هذه الآله، لأجل التبسيط يمكن توضيح طريقة عمل تطبيقات الذكاء الاصطناعى بمرحلتين فالمرحله الأولى هى مرحلة إعداد تطبيق الذكاء الاصطناعى نفسه، ويتم ذلك عن طريق برمجة التطبيق ذاته على أداء مهام محدده، وهذه المرحلة معقده جدا بسبب ما تعتمد عليه من فنيات فى برمجة التطبيق، لذلك لا يمكن لأى شخص القيام بهذه المرحلة، بل غالبا ما يتولاها فنيين متخصصين فى مجال البرمجه وانظمة الحاسب الآلي.
اما المرحلة الثانيه
وهى مرحلة تغذية التطبيق، حيث يتم فيها تغذية التطبيق بالمئات بل وبالالاف من البيانات والمعلومات التى يستطيع التطبيق تحليلها ودراستها لأجل أداء المهام المطلوبه منه بإستخدام خوارزميات البرمجه بناء على هذا التصور المبسط لعمل تطبيقات الذكاء الاصطناعى يمكننا القول بأنه إذا قام الفنى المختص:-
١- بإعداد تطبيق جديد.
٢- برمجته بالمعادلات والخوارزميات التى تؤهله لإعداد عمل فنى أو ادبى معين.
٣- تغذية البيانات والمعلومات اللازمه لإنتاج العمل الفنى والادبى المطلوب.
ففي هذه الحالة يكون هذا الشخص الفنى هو المؤلف لما ينتج عن التطبيق من أعمال أدبيه أو فنيه، وما التطبيق سوى وسيله ساهمت وسهلت إنتاج تلك الأعمال.
ولكن ما الامر إذا كان-ما يحدث كثيرا- من قام ببرمجة التطبيق شخص فنى متخصص، ثم قام شخص آخر بتغذية هذا التطبيق بالمعلومات والبيانات اللازمه فيثور السؤال مجددا، من هو الشخص الذى يمكن وصفه بإعتباره مؤلفا، هل هو الشخص الذى صمم معادلات التطبيق؟ ام الشخص الذي غذى التطبيق بالمعلومات الاساسيه؟
هذا ما سوف نجاوب عنه في الجزء الثانى………يتبع


