الحدث

الدكتور عبد البر الصياد يكتب….”إجازة من الواقع المؤلم”

إجازة من الواقع المؤلم
اللقاء الأول:
مظاهرة .. الضحية وأربعة يحيطون بها .. ملامحهم متشابهة تنبئ برابطة دم من الدرجة الأولى يؤكدها جزعهم الواضح والمبالغ فيه، ربما لإحساسهم بذنب غير مقصود أدى إلى وجودهم جميعاً
حولها .. الأم تحتضنها، والأب ممسك بيدها والأخت تساند
ظهرها، والأخ لم يجد له مكانا للمشاركة فأثر الابتعاد .
هي انفصلت عنهم بوعيها رغم ملاحقتهم لها .. شبه غائبة . وعيها لم تفقده بالكامل .. فبدت مذهولة الوجه .. مصلوبة
الجسد . . باردة النظرات .
أجلسوها فجلست .. توجهت ثماني عيون نحوی و انطلقت
أربعة ألسنة في وقت واحد .. لم أفهم شيئًا .
أشار الأب عليهم بالسكوت وبدأ يتكلم .. بعد كلمة واحدة أو جزء من كلمة انطلق لسان الأم .. لم أفهم شيئا .. رفعت يدى
إشارة لهم جيمعا بالسكوت .. استدرت إليها .. تكلمي
أنت .. ما لك .. إيه إللى بيتعبك . . ؟ .
خرج منها صوت طفلة في الخامسة رغم أن عمرها قد تجاوز
الثلاثين تقريباً .. بعض حروف كلماتها غير واضحة أو مستبدلة بها
حروف أخرى.. «الراء» تنطق «لاما» و «الشين» تنطق سينا».
تماما كطفل لا يجيد الكلام ..
لم تستطع الأم الالتزام بالصمت .. وضاعت كلماتها بفعل
حشرجة بكائها .. فانهار الأب وعبر عن أسفه وتحسره بضرب أحد كفيه بالآخر وكأنه ينفض يديه من شيء علق بهما .. نظرت المريضة إليهما واكتسى وجهها الذاهل بابتسامة بلهاء
وكأنها متخلفة عقلياً تحرك حزن والديها من أجلها . ظهر الغضب على وجه شقيقها .. استثارته ابتسامتها إزاء انهيار والديه : دى بتمثل يا دكتور .. بتدعى أنها مجنونة أنا عارف هي
بتعمل كده ليه . غضبه ساعد على تماسكه .. فطلبت منه أن يحكى لكى أفهم ..
وكانت القصة كالآتي :
المريضة أرملة في الثالثة والثلاثين من عمرها .. مات زوجها في حادث منذ ثلاث سنوات تاركاً ثلاثة أطفال أكبرهم الآن في التاسعة
وأصغرهم في الرابعة ومعاشاً ضخماً وشقة تمليكا … أبت أن تغادر شقتها إلى منزل الأسرة، فأقامت فيها مع أطفالها وتبادل أفراد أسرتها الإقامة معها .
انصرفت إلى تربية أطفالها بعد أن أقسمت في يوم وفاة زوجها ألا تتزوج مدى الحياة، وأعطت وعداً بذلك لأسرة زوجها .. كانت صادقة الوعد لهم، ولكن ذلك لم يمنعهم أن يلحوا بأخذ الأطفال والشقة قبلهم فى حالة حنثها .. أما أسرتها فكانت أكثر تأكيداً
وحرصاً على عدم زواجها حرصاً على الأطفال …
انصرف كل إلى حاله بعد أن اطمأنوا إلى وعدها .. ووحدها واجهت كل الأعباء.. واكتفى الجميع من حين لآخر بتوجيه كلمات الإعجاب والتقدير لتحملها مسئوليتها دون مشاركة فعلية.
من أحد.. مسئولة عن إطعامهم وتربيتهم وتعليمهم وصحتهم. ومسئولة أيضاً عن كبت مشاعرها بالوحدة .. ومن وقت لآخر كانت تسمع توجيهات مهذبة من الأسرتين بأن عليها أن تكون حذرة في كل تصرفاتها وتحركاتها حتى لا تتعرض للقيل والقال. وكان ذلك أكثر من قدرتها على
الاحتمال .. قضت ثلاث سنوات وكأنها ثلاثون عاما .. شعرت بذبول الجسد وذبول الروح بين الجدران الصماء الباردة .. فقررت أن تعمل دون أن تكون في احتياج للمال .. عارضها الجميع بقسوة .. فاستسلمت .. ولكن بدأت تتدهور صحياً .. لازمها الصداع .. وآلام المعدة.. وتنميل الأطراف .. واضطراب الدورة .. وأقسى المتاعب كان الأرق .
سمحوا لها بالعمل بشرط الانضباط الشديد في المواعيد. وقرر أبوها أن ينتقل للإقامة معها بصفة دائمة بعد إحالته للمعاش، والهدف الخفى كان ملاحظة تحركاتها ومواعيدها .. أفزعهم
خروجها للعمل .. اشتموا من ذلك رائحة تمرد .. تحسنت حالتها الصحية، وظلت على التزامها وضاعفت من
اهتمامها بأطفالها تعويضا عن الساعات التي اقتنصها العمل … شيء واحد لم يفارقها .. الأرق والإحساس بالبرودة والتي ترددت بسببها على العديد من الأطباء دون فائدة .. وفجأة أعلمت الجميع بقرار كان صاعقة عليهم : زميل لى يريد أن يرتبط بي ولقد
وافقت .
أسرة الزوج كانت أكثر لباقة ، وكأنها كانت تتوقع .. فبدأت بحوار هادئ حول ضم الأطفال وأخذ الشقة .. أما أسرتها فانفجرت كبركان .. انطلق من البركان كلمات صفعتها بعنف يتساوى مع عنف صفحة أبيها لأول مرة : كارثة – فضيحة – مصيبة –
الأولاد – الشقة – ستطلقين بعد حين بعد ضياع الأولاد والشقة . ثم يهدأون بعض الوقت لتنطلق حمم ملتهبة من نظراتهم الصامتة .. كلها تحمل تساؤلاً واحداً : لماذا الزواج؟ وكجندي تخلف عن الانسحاب فحاصرته طائرات العدو فقرر بدون وعى أن يغيب عن الوعى استعدادًا لموت لا يريد أن يشعر به .. غابت هي عن وعيها ثلاثة أيام متوالية .. أفاقت وهي على هذه الحالة. تخطئ في أسمائنا .. تدعى أن لها أربعة أطفال .. تقر أن عمرها عشرون وأحيانًا خمسون .. الأسبوع ثمانية أيام .. وبكل يد ستة أصابع . هي تدعى أم فقدت عقلها ؟ لا ندرى !! تبدو وكأنها منومة . تتحدث كالأطفال وأحيانًا تحبو مثلهم .. وللأسف فإنها أحيانا أيضاً تتبول كرضيع .. أرجو فحصها لنعرف حقيقة أمرها …
اللقاء الثاني:

  • لا أصدق يا عزيزى أننى كنت في هذه الحالة !! – لقد كنت مشوشة الوعى، ولهذا صدرت عنك هذه التصرفات الغريبة . – إنني لا أتذكر شيئا عن هذا التصرفات … – وهذا يؤكد الخلل الذي أصاب وعيك … – وكيف عدت بي إلى حالتي الطبيعية ؟ – كنت محتاجة إلى أن تتكلمي .. أن تعبرى عن نفسك .. أن
    تخرجي مشاعرك على لسانك لتسمعها أذناك وأسمعها منك. هذا وحده كاف لأن يهدأ الإنسان ويعود إليه وعيه الكامل .. – وما تشخيص حالتي؟ لماذا أصبت بهذه الحالة؟ إنني أشعر
    وكأنني كنت في سفر بعيد .. في أرض غريبة .. أشعر كأنني كنت ولا أتذكر شيئا من أحداثه .. أشعر في حلم طويل وأفقت منه . كأنك سحبتني من بئر مظلمة سحيقة . . ذاكرتي مفقودة عن تلك الأحداث التي مرت بي حين أحاول استرجاعها لا تسعفني ذاكرتي إلا بأشباح غير محددة الملامح وأصوات تبدو مبهمة تجيء من بعيد كالصدى .. أرجوك أن تعود بي إلى تلك المرحلة لأتعرف
    عليها ..
    اللقاء الثالث
    أول من وصف حالتك طبيب نفسى اسمه جانسر في عام ١٨٩٨وسميت الحالة باسمه .. أي أنك كنت تعانين من حالة جانسر.
    واحتار العلماء في طبيعة هذه الحالة .. هل هي حالة نفسية أم عقلية؟ هل هى هستيريا أم اكتئاب أم فصام ؟ بل وصل بهم الأمر إلى الاعتقاد بأنها ادعاء ! .. أى محاولة تمثيل المرض العقلي … ولأنها أكثر انتشاراً بين من يقضون حكما بالسجن أو من ينتظرون حكما بالإعدام فقد أطلق عليها ذهان السجن .. فالسجن معناه ألا مفر .. والإعدام معناه النهاية .. وذلك أمر قد لا يحتمله العقل الواعي.. ولهذا يحدث انفصال .. انفصال العقل عن الواقع. والنكوص إلى مرحلة الطفولة حيث لا مسئوليات ولا صراعات. حيث لا مستحيل وأن كل شيء ممكن .. حيث النجاة مؤكدة .
    وهي حالة تشبه المرض العقلي.. فالمريض العقلي منفصل عن الواقع .. وأبرز أعراض تلك الحالة هى الإجابات التقريبية .. لقد أعطيتك بعض المسائل الحسابية فكانت إجاباتك على النحو التالي :
    ٢+٤=٧ ، ٣+٤= ٨ ، ٥+٥=١٠، ٦-٣=٣، ٥-٢=٢….. سألتك عن عدد أيام الأسبوع فكانت إجابتك أنها ثمانية أيام.
    سألتك عن عدد أصابع يدك اليمنى فكانت إجابتك أنها أربعة . وهكذا .. هذا يعنى أنك فهمت المقصود من السؤال ولكنك أجبت إجابة خاطئة تماما كما يحدث مع الطفل … – سألتك عن الوقت فقلت إننا في منتصف الليل رغم أننا كنا
    في منتصف النهار .. مثل هذه الإجابات عن هذه الأسئلة البسيطة حين تصدر من إنسان متعلم تبدو وكأنه يخسر أو أنه يحاول أن يدعى أنه مصاب باضطراب في عقله .. ولذلك كان الشك فيمن يصابون بهذه الحالة : هل هم مرضى حقيقيون أم أنهم يدعون المرض لكي يحققوا مكسباً من هذا الادعاء؟
    والذي يزيد من الشك أن هذا المريض قد يجيب عن سؤال بأنه
    لا يعرف . – أرجوك أن تصدقني أنني لم أكن أدعى أي شيء .. فأنا لا أتذكر شيئًا عن هذه الفترة.. وإذا كانت تلك الإجابات الساذجة الخاطئة قد صدرت منى فعلاً فإنني لا أستطيع أن أقدم لك تفسيراً
    لماذا كنت أجيب بهذه الطريقة .
  • أنا لا أقصد أن الطب يشك فيك . . ولكن الشك يأتي من المحيطين بالمريض .. فأنا أصدقك تماما .. فهذه الحالة ليست ادعاء.
    كاذبا كما لا تتم على مستوى العقل الواعي .. الحالة مصدرها
    العقل الباطن أو اللاشعور . الذي يؤكد ذلك العرض الثاني للحالة، وهو تشوش الوعى .. فالمريض يبدو كالمذهول أو المأخوذ .. لا يستطيع أن يركز نظره على
    شيء محدد متجمد الوجه أو قد يظهر قلق مبهم على ملامحه. غير مدرك للزمان أو المكان ويجد صعوبة في الانتباه إلى أي شيء حوله مع اضطراب واضح فى ذاكرته للأحداث البعيدة والأحداث
    الغريبة …
    وقد تضطرب حركته فلا يستطيع المشى وقد يتخشب مكانه كما يفقد الإحساس فلا يشعر بوخز الإبرة أو بلسع النار …. – لا أستطيع أن أتصور أننى كنت أمر بهذه الحالة .. أريد أن
    أعرف الآن : لماذا أصبت بها؟ ولماذا تصيب أي إنسان؟ كما أن لنا طاقة جسدية تستطيع أن تتحمل إلى حد معين .. بعدها تخور قوانا ونقع .. فإن لنا طاقة نفسية لا تستطيع أن تتحمل
    إلا إلى قدر معين .. والجسد معاناته واضحة، أى ظاهرة للعين المجردة .. عين الطبيب وغير الطبيب .. وكلنا تعودنا أن نعبر عن آلام جسدنا .. أن نقول «آه» فيسمعنا الآخرون ويشعرون بنا، ويتعاطفون معنا ويهبون لمساعدتنا .. فلا عيب ولا حرج … ونتهم إنسانًا بالظلم وغلظة القلب إذا ضغط على إنسان آخر وأرهقه جسدياً أو إذا لم يستمع إلى أنين جسده …
    كل هذه الحقوق التي منحناها للجسد أنكرناها على النفس . أولاً لأنها شيء غير مرئي.. أي أننا لا ندركها بأعيننا .. وإنما.
    نحتاج لأن ندركها بمشاعرنا .. إذا أردنا أن نستمع إلى أنين النفس البشرية فإننا نلجأ إلى آذاننا الداخلية .. أذان معلقة في الوجدان .. وذلك يتطلب أن تكون لنا القدرة على أن نضع أنفسنا في مكان هذا الإنسان حتى نتخيل كيف يشعر، ثم نشعر كما يشعر .. أى أن تتألم كما يتألم هو .. وذلك ما لا يستطيعه أي إنسان .. ولأن كل إنسان له شخصية خاصة به .. له مشاعر وأفكار مختلفة .. له ظروف واحتياجات مختلفة فإننا لا نستطيع أن نتصور قدر احتماله .. قدر معاناته .. حجم الأنين الصادر عن
    نفسه ولهذا فالإنسان غير مدرب وغير مؤهل لأن يستمع إلى أنين
    نفس إنسان آخر . ولأننا أحيانا نكون مسئولين عن معاناة هذا الإنسان، فإننا نرفض أن نشعر به .. نرفض أن نتحمل مسئولية الإحساس بألامه .. ولأننا أحيانا نكون أنانيين ولا نبحث إلا عن مصلحتنا وما يرضينا . . وذلك قد يكون على حساب إنسان آخر – فإننا لذلك نرفض آلام هذا الإنسان وقد نتمادى في الضغط النفسي عليه … فتزداد آلامه إلى حد لا يتحمله وهنا لا يكون أمامه إلا أحد ثلاثة سبل : إما أن يتخلص من حياته، وإما أن يصاب بالجنون فيستريح لانفصاله الإجباري عن واقعه المؤلم .. وإما أن ينفصل بجزء من وعيه فيظل مرتبطا بواقعنا بخيوط غير مرئية ولكنه يبدو وكأنه منفصل تماما .. العقل الباطن هو الذي يقوم بعملية الانفصال هذه … إنه دفاع عن النفس وحماية لها من الجنون أو الانتحار. إنها إجازة من الواقع المؤلم .. راحة إجبارية يفرضها العقل.
    الباطن.. فالأمر لم يعد محتملاً، وحل المشكلة مستحيل.
    والفرار منها غير ممكن. إذن لا حل … “و” حل هذه معناها اليأس.. والأسى.. والألم.. معناها أن الحياة نفسها لم تعد تحتمل.. والناس لا ترحم .. لا أحد يريد أن يشعر بفداحة مشكلتي وصعوبة موقفى .. لا أحد يريد أن يقترب منى لا أحد يريد أن يتفهم ظروفي .. لا أحد يريد أن يرفع عن كاهلي بعض الضغوط .. بل هم يضغطون أكثر وأكثر …. لا حب ولا تعاطف .. لا تقدير ولا مشاركة .. على أن أتحمل كل شيء وحدى ولا أشكو .. ولكني لا أستطيع تحمل المزيد … فالموقف لا يحتمل ولا أحد يدرك أو يريد أن يشعر بذلك … فلأهرب .. فليذهب وعيى، وبذلك لا أرى المشكلة ولا أعيشها .. فلاكن إنسانًا آخر .. إنسانًا ليس له علاقة بهذه المشكلة .. وليس له علاقة بهؤلاء الناس الذين لا يشعرون ولا يقدرون . . لعلهم ينتهون .. فإذا مدوا يد المساعدة فلأعود إليهم مرة ثانية فأنا لم أنفصل بكل وعيى بل ببعض وعى .. أنا ما زلت مبقية على بعض الروابط .. إذا سألوني سؤالاً سأجيب الإجابة الخطأ .. فهمي للسؤال يعنى أنني أعيش واقعهم .. إجابتي الخطأ تعنى أنني منفصلة عنهم … سيظل وعيى غائبا حتى تمتد يد إلى .. حتى يسمع أحد صرخاتي .. إنها كصرخات الغريق الذي لا بد أن تمتد إليه يد وإلا غرق .. وأنا لا أريد أن أغرق .. أنا أريد أن أعيش.. ولكن ساعدوني .. وبداية المساعدة تكون بأن تتفهموا ظروفي .. تتفهموا احتياجاتي .. تتفهموا قدراتي. وهذا معناه الحب .. وبذلك أستطيع أن أواجه مشكلتي .. أستطيع أن.
    أحلها .. أستطيع أن أتخذ قراراً دون خوف ودون صراعات
    تتجاذبني و تمزقني …
    لا تطلبوا منى أن أثبت شجاعتى بأن أقفز من الدور العشرين. لا تطلبوا مني أن أثبت قدراتي على الصبر بأن أحتمل النار على جسدى .. لا تطلبوا منى أن أؤكد سمو روحي بأن أمتنع عن الطعام
    والشراب حتى الموت. لا تطلبوا ممن حكم بشنقه أن يبدى سعادة وفرحا خالصين.
    لا تطلبوا ممن يغرق أن يظهر كبرياء، ولا يصرخ مستنقذا …
    وهل من الممكن أن يُصاب أي إنسان بهذه الحالة؟ – هذا يتوقف على عاملين : أولهما شخصية الإنسان أي قدرته على التحمل والمواجهة .. وثانيهما حجم ونوعية الضغوط التي يتعرض لها هذا الإنسان .. وهذه الحالة بالذات هي نمودج المجموعة من الحالات الأخرى التي قد يتعرض لها الإنسان إذا واجهته ضغوط أو مشاكل لا يقوى على مواجهتها أو حلها أو
    تحملها .. وقد يعبر الإنسان عن معاناته النفسية بأن يُصاب بالصداع أو القيء أو بالآلام في كل جسده أو أن يفقد الإحساس أو بأن يفقد وعيه .. أو بأن يقرر – لا شعوريا – بأن يغادر المكان والناس ويهرب بعيداً تاركًا أيضا ذاكرته .. المحور الأساسي في كل هذه
    الحالات هو الهرب .. وذلك كما قلت يتوقف على نوعية الشخص غير القادرة على التحمل أو المواجهة . ولكن هناك ضغوطاً تفوق احتمال أى إنسان .. ضغوطا يكون
    مصدرها غالبا إنسانًا آخر .. إنسانًا قد يكون من أقرب الناس .
    إنساناً طاغية غلظ قلبه لا يهتز له وجدان وهو يضغط على عنق إنسان آخر .. إنسانًا استبد به الغرور وغرته قوته فتكبر .. إنسانا أنانياً يسعى لتحقيق رغباته على حسابك وتجد نفسك مضطراً للحياة مع هذا الإنسان أو للتعامل المستمر معه .. فإن حياتك تكتسب
    طعما مر اً لا تستطيع أن تتخلص منه ويلازمك في كل وقت. يضيق صدرك حين تراه أمامك .. وتكره نفسك حين تضطر للحياة أو التعامل معه . وتحاول أن تتماسك وأن تبتلع المرارة بل وتقهر
    نفسك على أن تعتاد هذا المذاق .. ولكن مع مرور الوقت ومع ازدياد الضغط تفقد قدرتك على الاحتمال وخاصة حين لا تستطيع مواجهته أو معاملته بالمثل كما
    لا تستطيع الهرب منه . هنا تبدأ الأعراض في الظهور .. تبدأ بالأعراض الجسدية الصداع والقيء والآلام والاحتياج للمهدئات من أجل النوم.
    وفي الأزمات الحادة يحدث الانفصال عن الواقع في حالة جانسر) مشكلة الإنسان أحيانًا تكمن في أنه يعجز عن اتخاذ القرار .
    أو شرود أو حالة من النسيان أو غيبوبة ..
    إما لأن القرار ليس بيده .. أو لأن ظروفًا معقدة تمنعه من اتخاذ القرار .. أو لأن بداخله خوفًا وضعفًا يعجزه عن اتخاذ القرارات المهمة والمصيرية في حياته .. قرارات مثل الطلاق والزواج والهجرة وتغيير العمل .. إلخ .. وبالرغم من أن اتخاذ القرار يحل مشكلة فإنه يتردد في اتخاذه .. يظل في حالة تردد دائمة .. يظل في حالة تأرجح دائم .. يأخذ القرار مع نفسه ثم يعود عن قراره .. وذلك هو الصراع الذي يزيد من قلقه ويضعف من مقاومته ويجعله عرضة.
    للنكسات النفسية فى أى من الصور التي سبق وصفها .. والنصيحة هنا لا تجدى، فهو يعرف القرار السليم ولكن المشكلة تكمن في
    عجزه عن اتخاذ هذا القرار ..
    ولا نستطيع أن نزيد معاناته بأن نوجه له اللوم على ضعفه . فربما لو كنا في نفس موقفه وظروفه لعجزنا مثله عن اتخاذ القرار الذي تراه سليماً .. فالله وحده أعلم بخبايا نفس كل إنسان والتي قد
    يجهلها هو ذاته وذلك هو الأرجح.

التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى