الدكتور عبد البر الصياد يكتب…”سؤال الكينونه وما نحن إياه”

#سؤال الكينونه وما نحن إياه #
اتفقنا حتى الآن، على أن ماهية الشخص تساهم بالقسط الأوفر في سعادته مقارنة بآراء الآخرين فيه، أي بما يُمثله في أذهانهم وتقديراتهم. فالأساسي قائم دوما في ماهية الإنسان، أي في حقيقته وما يزخر به في داخله فطبعه أو شخصيته) يصاحبه أينما حل وارتحل، وبه يطبع أحداث حياته بأسلوبه الخاص ودمغته المميزة. فما يؤثر فيه، بالمقام الأول وعلى نحو مباشر ومن خلال كل ما يباشره هو طبعه الشخصي. ولئن كان هذا صحيحا فيما له صلة بالمتع المادية، فهو أكثر صحة بشأن المتع الروحية والعقلية والإنجليزي مصيب في قوله: تروق لي نفسي وأنا بباريس، ولا يقول تروقني باريس، كما يفعل الفرنسي
فإن كان الطبع الشخصي رديئا فلن تنفع معه كل متع الدنيا ومباهجها، فسيكون كالخمر المعتقة في فم مرة. لا يهم إن كان المرء محظوظا جدا أو ذا حظ عاثر أو حتى عديم حظ إلا في الحالات التي تنزل عليه مصيبة كبرى، فالمهم بل الأهم هو كيف يستشعر ويتفاعل مع ما يصيبه من مصائب ويقع له من أحداث، أي درجة إحساسه بها وتفاعله معها. فالعامل الوحيد والمباشر القادر على تحديد سعادتنا وصوغ عيشنا الجيد، هو ما تزخر به دواخلنا من ممكنات وما نحن إياه بالفعل، أي طبعنا الشخصي وقدره. أما كل العوامل الأخرى فلها تأثير غير مباشر وجانبي جدا على هذه المسألة، بل قد لا يكون لها مفعول حاسم، هذا إن لم تكن عديمة المفعول. أما تأثير
الطبع فمؤكد ومحتوم، وهذا ما يفسر أن الحسد الأسود الذي يُخفيه الحساد بعناية، غالبا ما يكون بدافع من المصالح الشخصية زد على ذلك أن نوعية الوعي الإنساني (جودته من عدمه هو بمثابة العنصر الدائم والثابت في هذه المعادلة. فالطبع يؤثر باستمرار وعلى نحو منتظم، على صاحبه وفي كل لحظة وحين، أما غيره من العوامل فتأثيرها مؤقت وعابر وعُرضة للتغير بل والاختفاء النهائي. ول أرسطو قولة بليغة في هذا الشأن الطبيعة سرمدية والأشياء عارضة. لذلك، تعودنا معشر البشر على التحمل الصابر والمحتسب للمصائب التي تأتينا من خارج ذواتنا، عكس المصائب التي نكون مسؤولين عنها وضالعين فيها لسبب من الأسباب، فالقدر يتغير ويتقلب، بينما يظل طبعنا هو هو في جوهره، إن النعم الذاتية هي التي تدل بحضورها على توافر أسباب وموجبات السعادة، وتشمل الطبع النبيل والعقل الراجح والمزاج الرائق والنفس المرحة والجسم السليم. ومن أوجب الواجبات علينا أن نصون هذه النعم وننميها بدل اللهاث وراء النعم الخارجية ومظاهر الشرف والأبهة.
ويساهم ميلنا العفوي إلى الدعابة على نحو مباشر، في تحقيق سعادتنا كما أن ثمراته نجنيها في الحين. فالمنشرح لا تعوزه أبدا دواعي انشراحه، فهو بحد ذاته سبب كاف سبب يكفيه مؤونة البحث عن أسباب أخرى وهي خصلة لا تعوضها كل الخصال الأخرى، بل ولا يعوضها شيء آخر على الإطلاق. قد يكون أحدهم شابا في مقتبل العمر، بل وميسورا ويحظى بالتقدير لكن لو شئنا أن نتأكد من سعادته الفعلية فما علينا إلا أن نسأله إن كان ذا روح مرحة أو حزينة، بقطع النظر عن كل المزايا الأخرى التي قد تتوفر فيه. فالمرح هو دائما سعيد سواء كان شابا أو شيخا، مستقيم القامة أ ومنحني الظهر في بداية شبابي قرأت المقولة الآتية في كتاب قديم: سعيد من يضحك كثيرا وتعيس من يبكي كثيرا، قولة قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة جدا، إلا أن هذه البساطة الشديدة فيها هي التي جعلتني أستحضرها دوما علينا، كلما هل الفرح استقباله بالأحضان وفتح الأبواب والنوافذ احتفاء بقدومه، فحلوله بيننا نادر أو غالبا ما لا يحضر بالوقت المناسب. وبدل التردد في استقباله بما يليق به، إما لعجز فينا عن انتهاز فرص الفرح أو مخافة صرفها لنا عن التأملات الجادة والانشغالات الهامة، علينا الاحتفاء بمقدمه لأنه الأقدر على رفدنا بلحظات وهنيهات نجني منها أعظم الفوائد على نحو مباشر، الأمر الذي ليس مؤكدا ولا مضمونا عند استغراقنا في التأملات والانشغالات إن الفرح والمرح أشبه بالعملة النقدية وغيره شبيه بكمبيالة. لذلك فهو خير أسمى في ميزان الأشخاص الذين يعيشون حاضرهم كاملا غير منقوص، حاضر غير قابل للقسمة بين زمنين لا نهائيين، فما علينا إلا أن نصبو إلى الحصول على المزيد والمزيد منه.
ولا شك في أن الثروة أقل قدرة على توفيره، عكس الصحة الجيدة المؤهلة لمدنا منه بالمزيد نجد الوجوه المرحة في أوساط الطبقات الاجتماعية الدنيا كالفلاحين والعمال بينما تكثر الوجوه العبوسة والمتجهمة بين الميسورين ما علينا إذن سوى المحافظة على هذا الوضع من الصحة الكاملة الذي يعتبر المرح زهرته البائعة. ولأجل ذلك، علينا أن نتجنب كل أنواع الإفراط والخلاعة والانفعالات العنيفة والضاغطة، أو اجترار التفكير في شيء واحد، أو انغلاق الفكر على أشياء محدودة ومعدودة في الزمان والمكان كما تجب المواظبة علـى
القيام بتمارين رياضية خفيفة في الهواء الطلق لمدة ساعتين على الأقل والاستحمام بالماء البارد مرات عدة، والالتزام بالحمية التي تعود على البدن بالنفع العميم. إن الصحة ممتنعه دون المواظبه على حركات بدنيه يومية، فكل الوظائف التي تتطلب منا الحياة القيام بها لا تتم على النحو المطلوب والمناسب، إلا إذا عودنا أجسامنا على الحركة، فالحركة التي تُنمّي تلك الوظائف وتزيد من قدراتها، ومن خلالها ينمو الجسم كله وتتوسع قدراته. وقد صدق أرسطو عندما قال: الحياة في الحركة، بل هي الحركة إن الجسم الإنساني نفسه يمارس تلقائيا العديد من الحركات السريعة والمتواصلة، فالقلب في انقباض و انبساط مستمرين يُمكنانه من الخفقان الدائم وضخ كميات كافية من الدم في الدورتين الدمويتين الكبيرة والصغيرة عبر شهيق وزفير دائمين شبيهين بآلة بخارية. أما الأحشاء فتلازمها انقباضات تعبر عن نفسها من خلال حركة التقلص الإستداري الملازم لعمليتي البلع والهضم، كذلك الغدد تمتص وتفرز ليل نهار، بل حتى الدماغ يتولى القيام بوظيفة مزدوجة كلما خفق القلب وتنفست الرئة.
لذلك، فعندما يغلب الاستقرار على نمط حياة الناس وتغيب الحركة فيها، وهو شأن الكثيرين منهم، يحدث تباين صارخ ومُضر بين شيئين: الراحة الخارجية والجلبة الداخلية فحركة الداخل المتواصلة بحاجة إلى حركة خارجية تؤازرها والتفاوت بينهما يجعل الإنسان أشبه بمُكْرَةٍ على كظم انفعالاته الداخلية الفوارة كي لا تظهر لغيره. فحتى الأشجار بحاجة إلى حركة الرياح لتزهر وتورق؛ وتلك قاعدة عامة تختصرها الحكمة اللاتينية القائلة: كلما تسارعت وثيرة الحركة غدًا كل شيء في الكون حركة.
ولتوضيح مدى ارتباط السعادة الإنسانية بقابلية الناس للفرح والمرح، وارتباط هذه بدورها بوضعهم الصحي، نقارن التأثير الذي تمارسه عليهم الاحداث نفسها وهم أصحاء بمثيله و هم مرضى ينهشهم الحزن والكآبة. فليست الأشياء الموضوعية هي التي تجعلهم سعداء أو تعساء، بل طريقة إدراكهم وتمثلهم لها، وهي الفكرة ذاتها التي عبرت عنها هذه الحكمة المقتضبة لـ إبيكتيتوس والتي تقول: رأي الناس في الأشياء لا الأشياء ذاتها، هو الذي يجعلهم يتأثرون أو لا يتأثرون بها.
نخلص إلى أن تسعة أعشار السعادة مشروطة بالصحة وسلامة البدن. فبتوافرها، يغدو كل شيء مصدرا لمتعة منقطعة النظير، وبانتفائها يستحيل تذوق الحلاوة الثاوية في كل الخيرات والنعم الخارجية التي تكون من نصيب المرء، بل حتى النعم الذاتية أو الداخلية تفقد الكثير من زحمها وألقها بسبب المرض؛ ومن جملتها الذكاء والحالات الوجدانية والطبع الإنساني. لذلك تجد الناس يسألون، أوّل ما يسألون بعضهم البعض عن أحوالهم الصحية، كما يتمنون لبعضهم صحة جيدة. فالصحة شرط أساسي لتحقق سعادة الإنسان، وأي تضحية بها على مذبح الثروة والثراء والنجاح المهني والدراسة والمجد، وخصوصا في سبيل المتع العابرة هي الحماقة بعينها. لا شيء على الإطلاق، يبرر التفريط في الصحة إرضاء لغيرها. ومهما عظم تأثير الصحة على فرحنا الذي هو شرط سعادتنا، إلا أنها ليست دائما شرطا لازما لحصوله، ذلك أن هناك أشخاصا أصحاء بمزاج سوداوي وقابلية مفرطة للاكتئاب. والسبب في ذلك هو تكوينهم العضوي الأصلي، خصوصا ما تعلق منه بالعلاقة الطبيعية
و المطردة بين قابليتهم المفرطة للتهييج وإعادة إنتاجها المتواصل، فالغلبة الشاذة للحساسية المفرطة تُولّد لديهم أحوالا مزاجية متقلبة ومضطربة تتراوح بين الفرح الشديد والكابة السوداوية. ولقد كان أرسطو محقا عندما لاحظ كيف أن النوابع والأفذاذ من أهل الفكر والعلم تغلب عليهم طباع سوداوية، وهو أمر طبيعي لأن العبقرية إنما هي نتاج لنشاط ذهني مفرط أي الحساسية مهتاجة، يقول في هذا الباب: كل النوابع في الفلسفة والسياسة والشعر والفن من ذوي الأمزجة. السوداوية وبرع شكسبير في وصف هذا التنوع الهائل بالمزاج البشري حين قال: كم تتلهى الطبيعة بصنعها أجساما عجيبة وغربية هكذا نجد من بين الناس أشخاصا لا يتوقفون عن الضحك بسبب أو بدونه، يشبهون في ذلك ببغاء أمام عازف عاد جدا لمزمار القربة كما تجد أشخاصا لا يُبرزون أبدا أسنانهم لغيرهم، ولو في لحظات ضحك عابرة… وهذا التنوع في الطباع والأمزجة البشرية هو الذي اختصره أفلاطون في ثنائية المزاج الصعب والمزاج السهل، والمتأتية بنظره، من التباينات الحاصلة بين الناس حين تلقيهم للانطباعات السيارة والممتعة كما المحزنة والمؤلمة، فتجد البعض منهم تضحكه أمور ملء شدقيه بينما البعض الآخر تدفعه الأمور نفسها إلى حافة اليأس، كما يجوز أن يتلقى الناس الانطباعات السارة والمحزنة بنسب من القوة أو الاعتدال متفاوتة، فعندما تساوى فرص النجاح والفشل في أمر، تجد فئة منهم يُحزنها الفشل المحتمل كما لا يُفرحها النجاح المنتظر، ولن يغضبها أو يُحزنها نجاح ناقص أي نصف النجاح في حين سيسعدها نجاح كامل. وإذا نجح الواحد منها في أحد مشاريعه تسع مرات وأخفق في العاشرة، فيغضب لأنه فشل مرة واحدة على
عشرة. بينما أفراد الفئة الأخرى سيفرحون أشد الفرح لنجاح تـحقق لهم ولو لمرة واحدة على عشرة.
وقد جرت العادة بالاً يحل شر من الشرور بلا تعويض، ومن ذلك أن ذوي الطبائع الحزينة والسوداوية غالبا ما يثنون تحت وطأة آلام وعذابات وهمية أكثر مما هي واقعية خلافا لذوي الطبائع المنشرحة والخالية من الهم والغم الذين يعانون حين يعانون من آلام وعذابات واقعية غير أن الشخص الذي يرى السواد في كل شيء، يتوقع دائما الأسوأ، وبالتالي فإنه يحتاط، أشد الاحتياط، من خيبات الأمل ومن الإحباط، خلافا للذي يرى الألوان الزاهية والآفاق الواعدة والبشوشة في كل شيء. وعندما يجتمع في شخص واحد مرض عصبي هضمي مع طبع سوداوي متأصل، فإنه يراوح حالة من الضيق الدائم التي تجعله شديد النفور من الحياة كلها تذهب به إلى حد التفكير في الانتحار لأبسط الأسباب وأصغر المعاكسات التي تعترضه فتزج به في أقصى حالات الألم والتألم. فالحضور الدائم للشعور بالضيق في حياته كاف ليدفعه باتجاه التفكير في الانتحار أو حتى الإقدام عليه إقدام يسبقه تفكير بارد وتصميم شديد. وعندما يصل الإنسان إلى هذه الحالة، يغدو مريضا خاضعا للمراقبة، نظرا لهوسه بفكرة الانتحار التي تراوده ليل نهار ولا تكاد تفارقه وما أن تغفل عنه عين المراقبة، ولو للحظة خاطفة، حتى يُنفذ، بحزم واندفاع، خطته المبيتة القاضية بوضع حد لحياته اعتقادا منه بأن فيها خلاصه من هذه الحياة ومخالب المعاناة. وقد أسهب إسكيرول في وصف ورصد هذه الحالة بكتابه حول الأمراض العقلية. بل حتى الإنسان الذي يتمتع بصحة جيدة ويعيش في انشراح دائم، قد يجد في الانتحار
عزاءه الأخير وخياره النهائي متى اشتدت عليه وطأة المعاناة والعذاب أو الخوف الشديد من مصيبة وشيكة الوقوع، إذ يُقدِّر بأن الموت أهون بكثير من تلك المصيبة التي نزلت به فالتفاوت بين الناس يكون فقط على مستوى الدوافع المحركة لهم باتجاه هذا الخيار، وكلما تقوى الطبع السوداوي فيهم إلا وازدادت حدتها وضراوتها، فكلما عظم واستفحل هذا الطبع فيهم – كلما كانت دوافعهم نحو الانتحار صغيرة وأحيانا تافهة هذا إن لم تكن بموازين العقل، في حكم المعدوم أو لا يعتد بها بالمرة. بالمقابل، كلما عظم وغلب الطبع المرح فيهم ورجحت كفته مقرونا بالصحة التي هي عماده، حتى يتطلب الأمر دافعا كبيرا وحدثا جللا كفيلا بدفعهم نحو الانتحار. وما بين الحدين القصيين، تُوجد درجات ومستويات تتراوح ما بين تفاقم الطبع السوداوي المتأصل والطبع المعافى والمــرح الذي لا يستمد مسوغات الانتحار إلا من أسباب موضوعية.
والجمال مماثل نسبيا، للصحة لأنه من النعم التي لا تُسهم في السعادة إلا على نحو غير مباشر، أي من خلال الأثر الذي تتركه في الآخرين، والجمال له أهمية كبرى عند الرجال أيضا وليس عند النساء فحسب، إنه رسالة مفتوحة دالة على تزكية من الطبيعة نالها الجميل وسالبة للألباب قبل أي بيان وكلام؛ وعنه قال هوميروس، ويحق، في سياق أعم لا ينبغي تبخيس النعم الإنسانية المجيدة، فهي هبات يتبادلها الناس فيما بينهم، وليس لأحد أن يقبلها أو أن يرفضها من
تلقاء نفسه ونظرة إجمالية في أحوال الناس وأوضاعهم كافية بأن تجعلنا نضع اليد على العدوّين اللدودين لسعادتهم وهما الألم والملل، وبقدر
ما يبتعد الإنسان عن الأول يقترب من الثاني والعكس صحيح؛ بل إن الحياة البشرية برمتها لا تعدو أن تكون تأرجحا متواصلا بين الحدين بدرجات متفاوتة في الحدة والشدة ويُعزى ذلك إلى حالات المعاكسة المزدوجة بينهما، وهي إما من قبيل المعاكسات الخارجية والموضوعية أو الداخلية والذاتية. فمن الواضح، لو تأملنا الأمر من الخارج أن الحاجة يتولد عنها الألم كما يتمخض الملل عن إحساس الإنسان بالأمان وعيشه في الرفاه. لذلك، لا غرابة إن كان المعوزون من الطبقات الاجتماعية الدنيا يكافحون بلا هوادة ضد الحاجة أي ضد الألم، بينما الميسورون من علية القوم يكافحون أيضا، وبلا هوادة ضد الملل بأمل ضعيف في هزمه وكسر شوكته. تقوم هذه المعاكسة من الداخل أي على المستوى الذاتي على معطى مؤداه وجود تناسب عكسي بين أن ينال الألم أو الملل من الإنسان، أما القابلية لأحدهما دون الآخر فتفسره قدراته العقلية بالمقام الأول. فالعقل البليد والحساسية المتبلدة يسيران جنبا إلى جنب، حساسية تجعل صاحبها في حالة من تبلد الأحاسيس وخمولها وعجز مريع عن التأثر والتفاعل بما يحيط به هكذا تجده بمنأى كلي عن الإحساس بالآلام والتفاعل مع الأحزان إلا أنه يئن تحت وطأة فراغ داخلي مرتقم على وجهه ووجوه ،أمثاله يفضحه فضحا من خلال حشر أنفه في كل الأحداث الخارجية على تفاهتها وسخفها. فهذا الفراغ هو مصدر الملل الذي يجعل الملول مهووسا بالاهتمام الشره بشؤون الآخرين، وبالتالي متفاعلا بسرعة مع المهيجات الخارجية كي يُشغل قلبه وعقله بأي شيء، نعم أي شيء! وهو ما نلاحظه يوميا في إقبال هذه الفئة من الناس على الملاهي الأكثر دناءة وإثارة للرثاء والشفقة ،
كما نلاحظه في نوع الاجتماعات التي تتردد عليها واللغو الذي تخوض فيه مع الخائضين، ولا أدل على قوة هذه الظاهرة من أفواج المتسكعين والمتبطلين الذين يجوبون العالم طولا وعرضا، فهذا الخواء الداخلي هو الذي يدفعهم دفعا نحو البحث عن كل أنواع التجمعات البشرية والتسليات لأجل تمضية الوقت والركض وراء المتع ومظاهر البذخ، ما يقودهم في النهاية إلى تبذير ممتلكاتهم والسقوط في هاوية البؤس والإفلاس
ولا علاج لهذا البؤس إلا الثراء الداخلي، ثراء العقل والروح الذي بقدر ما يرفع قدر صاحبه ويسمو به بقدر ما يُبعده عن الملل ومسبباته. إن النشاط الذهني المتواصل والمتجدد من خلال تمظهراته الخارجية والداخلية والقدرة كما الحاجة إلى التوليف بينها، يضعان صاحب العقل الراجح بمنأى عن الملل وخارج قبضته إلا في حالات التعب العابرة. غير أن هذا الألمعي تلازمه حساسية متقدة ومفرطة متأتية من إرادته المندفعة التي يتولد عنها الشغف الشديد. ومن اجتماع هذين العنصرين تتوالد كثافة انفعالية وحساسية زائدة للآلام الأخلاقية والبدنية، وعدم التحلي بالصبر الكافي في مواجهة العراقيل والمثبطات، بل وفي مواجهة إزعاجات بسيطة جدا. والحيوية الشديدة للتمثلات بما فيها التمثلات المؤلمة، تؤجج أكثر هذه الآثار والمفاعيل المتولدة عن خيال جامح. وما قلناه توا يصدق على الحالات البيئية التي تُغطّي المسافة الفاصلة بين أغبى الناس وأوفرهم ذكاء والمعية. لذلك فكل إنسان إن على المستوى الذاتي أو الموضوعي، يبتعد عن أحد مصادر الألم بقدر ما يقترب من الآخر زلفى. وأمام وضع مثيل، لا بد أن تقوده عفويته إلى التوفيق، قدر
المستطاع بين الموضوعي والذاتي فيه أي إلى تحصين نفسه ضد مصادر الألم التي تصيبه بسهولة أكبر. فالألمعي اللبيب لابد أن يسعى، أول ما يسعى إلى تجنب كل مصادر الألم ومسببات الإزعاج مقابل تلمسه لسبل الراحة وتنكبه لأوقات الفراغ والتفرغ لذلك لا نستغرب إن كان يبحث بلا كلل ولا ملل عن حياة هادئة وبسيطة وبعيدة أشد البعد عن كل مصادر الإزعاج وعلى طريقه، لا بد أن يجد في العزلة عزاءه الأخير بعد معاشرته الطويلة للناس، عامة الناس. فبقدر ما يمتلك الإنسان أشياء كثيرة ،بدواخله، بقدر ما يشتد استغناؤه عن الناس وعن العالم الخارجي. على هذا النحو، يكون المتفوق فكريا، حتما، إنسانا لا
اجتماعيا. فلو كان الكم مساويا للكيف في القيمة، لجاز تجثم عناء العيش مع الناس ومخالطتهم، لكن هيهات فمئة مخبول لا تعادل ولن تعادل أبدا صاحب عقل راجح واحد. فذو العقل الصغير، ما أن يفرغ من إشباع حاجاته الأساسية، وينعم بقليل من الراحة حتى يندفع بحثا عن تمضية الوقت كيفما اتفق ومخالطة الناس دون تمييز، فهو ينسجم مع الجميع ولا يفر إلا من نفسه. فالغبي في عزلته يـــئن تحت وطأة بؤسه الشخصي، بينما الألمعي الموهوب يُؤنث عالمه الخاص والصغير حتى ولو كان في الأماكن المقفرة لتدب الحيوية والنشاط فيها. ففي العزلة، يُختزل كل واحد منا في ما عنده وفي ما يجده ،بداخله أي في موارده الذاتية ولاشيء غيرها. وقد صدق سينيكا حين قال: الغباء يضجر حتى من نفسه، وعبر “اليسوع “عن المعنى نفسه بقوله: حياة الأحمق أسوأ من الموت. فالميل إلى مخالطة الناس يتناسب طردا عند الأفراد مع مستواهم الفكري، لذلك تجد
ا المتدنين فكريا من العامه! والدهماء ميالين إلى المعاشرة الاجتماعية فنحن، والحالة هذه، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العزلة أو الذوبان في الجماعة. معروف عن الزنوج أنهم أكثر الأقوام ميلا إلى المعاشرة الاجتماعية، وهناك إجماع اليوم على أنهم الأكثر تخلفا من الناحية العقلية، فهذه بتلك. وتصلنا تقارير من أمريكا الشمالية نشرتها الصحف الفرنسية، ومن جملتها صحيفة Le commerce عدد 1837/10/19، تؤكد بأن الزنوج بأحرارهم وعبيدهم يتكدسون بأعداد كبيرة في أشد الأماكن ضيفا لأنهم لا يستطيعون التحديق في وجوههم السوداء المتماثلة حد التطابق والتكرار. وبما أن الدماغ البشري قد يكون نعمة أو نقمة على صاحبه، أي على كيانه العضوي بالكامل، فإن أوقات الفراغ والتفرغ التي تكون من نصيبه وتمنحه فرصة الاستمتاع الحر بوعيه وفرديته لن تكون سوى ثمرة لوجوده كله الذي ليس بالمحصلة، إلا جماع كدح ومكابدة، لكن لتتأمل، قليلا، في ما تُدره هذه الأوقات على السواد الأعظم من الناس، إنها لا تدر عليهم سوى الضجر والاستغراق في الغباوة، ما أن تغيب عنهم المتع الحسية وحماقات من طينتها دأبوا على أن يملؤوا بها أوقات فراغهم وهذا دليل على أن هذه الأخيرة لا تحمل قيمتها في دائها بل في طريقة استعمالها وتدبيرها.
إن الشغل الشاغل للعامة هو قضاء الوقت، أما الألمعي فمشغول باستعماله الحسن وتدبيره الأمثل لذلك يكون ذوو العقول الصغيرة والمحدودة فريسة سهلة للسأم، لأن طاقتهم العقلية لا تعدو أن تكون أداة طبيعة بين يدي البواعث المحركة للإرادة، فإن إختفت البواعث خلدت الإرادة للراحة وتعطلت الطاقة العقلية، إذ يستحيل على
الإرادة أن تتحرك من تلقاء نفسها، فيحل الجمود المريع ليشل كل قدرات الفرد ليلقي به أخيرا في براثين السأم الناهش وفي محاولة للتصدي له، تعمد ضحاياه إلى إلهاء الإرادة، وعلى نحو ماكر ببواعث صغيرة جدا مؤقتة وعشوائية بغية استثارتها من جديد وتشغيل الطاقة العقلية التي تتكفل بالتقاطها فلو قورنت هذه البواعث مع نقيضتها الواقعية لجاز تشبيهها بحافظة نقود وتشبيه نقيضها بالنقود، أما قيمتها فلا تكمن في ذاتها بل قيمتها مواضعاتية واتفاقية (أي عرفية. فالبواعث الصغيرة والعابرة أشبه ما تكون أيضا بلعب الورق وما شابهه من ذرائع لتمضية الوقت، ذلك أنها ابتكرت أصلا لهذه الغاية ولا شيء غيرها. فما أن تُعوز صاحب التفكير المحدود حتى يطبل ويدقدق على كل ما يقع بين يديه وتعتبر السيجارة واحدة من هذه الذرائع التي تعوض غياب الأفكار عند المدخن. لذلك، لا غرابة إن بات لعب الورق عند كل الأمم انشغالا محوريا في تجمعات الناس ،ولماتهم، وهو ما يعكس مستواها الضحل وقيمتها المتدنية فهي المناسبات المثلى التي تعلن فيها الأفكـار عـــن إفلاسها. ففي غياب أفكار نتبادلها نتبادل الورق آملين، عبثا أن نستخلص منه ما هو نفيس فيا لبؤس الناس ومن باب الإنصاف أشير إلى أن لعب الورق لا يخلو نهائيا من كل فائدة، إذ يُهيئ لاعبيه لمواجهة الحياة والدخول إلى عالم الأعمال من خلال تعليمهم طرق الاستغلال الحكيم للفرص المتقلبة التي تجود بها الصدف وجني ثمارها في الوقت المناسب، كما أنه يساعدهم على الاحتفاظ برباطة جأشهم أمام الخسارة وتقبلها بصدر رحب إلا أن لهذه اللعبة أيضا تأثير لا أخلاقي، إذ تُجيز قواعدها اختلاس ما يملكه الآخر بأي وسيلة ممكنة
وكل الحيل هنا واردة وجائزة. ومن شأن التعود على هذا السلوك في لعب الورق وما شابه أن يدفع المتعودين إلى نقله جملة وتفصيلا إلى عالم المعاملات بين الناس فيمارسونه بلا تبكيت ولا وخز ضمير في ما له صلة بما لي وما للآخرين حقيقة هذه المرة لا مجازا، ومن ثمة اعتبار كل امتیاز ننفرد به مشروعا و مباحا لا لشيء إلا لأنه بمتناولنا. وثمة أمثلة وافرة تؤكد يوميا هذه الحقيقة.
وبما أن أوقات الفراغ والتفرغ كما تقدم، هي ثمرة وجودنا بصفتنا أفرادا، إذ يُفترض أن تُمكننا من امتلاك زمام ذواتنا، فالسعيد هو الذي يجني منها ما له قيمة وما لا يُقدَّر بثمن، إلا أننا نلاحظ بأن هذه الأوقات لا تجلب للناس في الأغلب الأعم، إلا التبطل الذي يقتلهم ضحرا لتغدو بذلك عالة عليهم. فلنهنئ أنفسنا إخوتي، كما جاء على لسان الحكيم، لأننا تحدّرنا من أرحام الحرائر لا من أصلاب العبيد وأرحام الإماء. وبفضل ذلك، نحن الأقدر على حسن استعمال هذه الأوقات الثمينة.
وكما أن البلد السعيد هو الذي لا يستورد، فإن السعيد هـــو الذي يكتفي بذاته ويملأ عليه غناه الداخلي كل حياته، ولا ينتظر من الآخرين سوى أقل القليل الذي قد يُسليه ويُروح به عن نفسه. فهو موقن بأن أي توريد من خارجه، لا بد أن يُكلفه ثمنا باهظا وخطيرا ألا وهو الانصياع، فكل توريد من هذا الصنف هو، لا محالة مجلبه للهم والغم، ولن يكون بالمحصلة، إلا مادة بديلة لا ترقى إلى جودة منتوجات الأرض التي نمتلكها.
ليس لنا بالمطلق أن ننتظر أي شيء من الغير ومن خارج ذواتنا. فما قد نكونه أو تمثله في أوعاء الآخرين وموازينهم هو أمرٌ لا يُعتد به
فكل واحد محكوم عليه بالبقاء لوحده، لكن من هذا الذي يبقى منا لوحده ومع نفسه؟هو ذا السؤال الكبير.
*قال غوته في هذا المعنى ما يلي كل واحد منا محكوم عليه في نهاية المطاف بأن يكون وحيدا والفكرة ذاتها . عبر عنها أوليفير غولد شميت عندما قال في نهاية الرحلة يهجرنا الجميع، ونبقى لوحدنا إما لنصنع سعادتنا أو ننطلق بحثا عنها”، كل واحد من بني البشر سيترَك في النهاية ليُواجه نفسه، ويرفُدَها بأفضل وأجود ما لديها. وكلما تعود الواحد منا على هذه الطريقة في العيش، واعتاد العثور في ذاته، وبوتيرة تصاعدية عن مصادر وموارد متعه، فإنه سيحقق حتما سعادته. وكم كان أرسطو صادقا عندما قال: السعادة من نصيب المكتفين بذواتهم. فكل المصادر الخارجية والمتع العابرة لا يُعول عليها في تحقيق السعادة لأنها مصطنعة منفلتة وعشوائية وبالتالي فهي مندورة حتما للنضوب السريع ولو في الظروف المناسبة جدا، وطالما لا نحصل عليها وقتما وكيفما نشاء فستظل كذلك زد على ذلك أن النضوب المحتوم يطالها كلما تقدمنا في السن لتتخلى عنا رويدا رويدا. وهذه المتع تشمل الحب وروح المرح والشغف بالأسفار وركوب الخيل وحب الظهور وهكذا إلى أن يدركنا الموت فينتزعنا حتى من أعز الناس إلينا كالأصدقاء والخلان والآباء. عندئذ ليس لنا إلا أن نتمسك بما صرنا بفضله ما نحن إياه، أي ذواتنا ولا شيء غيرها. فهذا الإدراك الثابت والراسخ الذي نتوصـل إليه في خريف عمرنا هو الذي سيمكننا من المقاومة ما تبقى من أعمارنا، إلا أنه إدراك تتأكد صحته وصدقيته في كل مراحل العمر أيضا بحسبانه المصدر الحقيقي والوحيد والدائم لسعادة الإنسان. فهذا العالم الذي
يعج بالبؤس والآلام لا يبشِّر بربح طائل نجنيه منه، فمن أفلت فيه من قبضة هذين الوحشين الكاسرين أي البؤس والألم، تربص به الضجر وكان له بالمرصاد عند كل منعرج إن الشر هو الذي يقود خطى هذا العالم في مجمله أما البلادة فهي الصوت المسموع أكثر.
الأقدار فظة وشرسة والناس بين مخالبها مثيرون للشفقة، إن الشخص الذي يتوفر في قرارة نفسه على أشياء كثيرة والمكتفي بذاته في هذا العالم شبيه بغرفة تتوسطها شجرة الميلاد غرفة مضيئة دافئة ومنشرحة وسط صقيع ليلة من ليالي دجنبر القارصة.
- الغني بذاته والمتفوق بذكائه أسعد الناس في هذه الدنيا ولا مجال لمقارنة حاله وماله بأحوال ومآلات غيره حتى ولو بدت فاتنة ومتوهجة لذلك، فرأي أميرة السويد كرستين ذات التسع عشرة سنة بالكاد في ديكارت طافح بالحكمة البليغة وهي التي قالت عنه: ديكارت هو أسعد الخلائق ومحسود على ذلك. وقد كان الرجل في هذه الفترة مــن حياته مقيما بهولندا عشرين سنة بأقصى درجات العزلة، ولم تكن الأميرة تعرفه إلا عن طريق الأخبار التي تصلها عنه وقراءتها لأحد مؤلفاته. ونمط العيش هذا يتطلب شرطا واحدا توفر لديكارت في ذلك الوقت هو توافر ظروف خارجية مناسبة للإمساك بزمام الذات والتمتع التلقائي. لذلك، ما كذب سفر الجامعة عندما قرر في أحد مقاطعه قبل هذا التاريخ بكثير، هذه الحقيقة ستكون سعادتنا مضاعفة لو اقترنت بإرث أو تركة ورثناها لأنها ستجعلنا، حقا نستمتع أقصى استمتاع بأشعة الشمس”. وكل من جادت عليه الطبيعة والقدر بمثل هذا المآل فليعض عليه بالنواجذ لأنه الينبوع الداخلي لسعادته الذي سيجد فيه كل ما
يحتاجه، وليحرص بعد ذلك على استقلاليته وعلى الاستعمال الرشيد والقاصد لأوقات فراغه يصرفها باعتدال وتعقل.
فهو لا يملك غيرها بعد أن قرر الاستغناء عما لدى الآخرين من متع عابرة وزئبقية وليحرص على ألا تُغيّره الوظائف العليا ورنين الذهب والامتيازات والشهرة ورضى الناس، ولا يتنكرن لذاته أو يهرب من قدره كي يتوافق مع الإنتظارات البائسة للعامة وذوقها الرديء، إنها لحماقة كبرى أن تخسر داخلك لتربح الخارج، أي أن تتنازل، جزئيا أو كليا، عن راحة بالك وأوقات فراغك وتفرغك واستقلاليتك لقاء عظمة زائفة وحظوة كاذبة وأبهة مصطنعة وألقاب شرفية. هو ذا ما فعله غوته ولن أفعله أنا ذلك أن نبوغي الشخصي يدفعني دفعا في الاتجاه المعاكس لاتجاهه.
القول بأن المصدر الرئيسي للسعادة البشرية هو النفس البشرية حقيقة مؤكدة، ومن جملة الذين أكدوها أرسطو في ملاحظة لبيبة وردت بكتابه مناقب لنيقوماس يقرر فيها بأن كل متعة يلازمها جهد مبذول لأجل تحصيلها أي بقوة صادرة عنا، وتنتفي المتعة في غياب ذلك المجهود المبذول لأجل إدراكها. والفكرة الأرسطية نفسها التي تشرط السعادة بالاستعمال الحر
للملكات المتقدة، نجدها مجددا عند سطوبي في معرض حديثه عن المناقب المشائية ونقرأ عنده ما يلي: إن استعمال الإنسان لملكاته استعمالا مثمرا كفيل بتحقيق سعادته، ويمضي في تدقيق دلالة الكلمة بقوله : هي كل ما يشمل القدرات الإنسانية الفذة والخارجة عن المألوف. أما القدرات البدائية فلا تصلح إلا للكفاح ضد الحاجة والعوز القاهر في كل بحالات الحياة. وما أن يخلد هذا الكفاح إلى
فترة من الهدنة حتى تتحول هذه القدرات إلى عالة على صاحبها يستعملها استعمالا عشوائيا، وإن لم يفعل وجد نفسه فريسة للملل الذي هو مصدر آخر من مصادر الألم. لذلك، من الطبيعي جدا أن تئن علية القوم والميسورون تحت وطأة الملل، وقد توفق لوكريس في الوصف الدقيق والحذق لبؤس هؤلاء الذي نتأكد منه يوميا في المدن الكبرى التي تُقدِّم . عنه صورا لافتة ومثيرة يقول لوكريس عن هذه الناس تجد الواحد منهم يغادر قصره هروبا من الملل القاتل، ثم سرعان ما يقفل عائدا خاوي الوفاض من السعادة التي كان قد خرج بحثا عنها، وتجد الآخر يفك كل وثاق يربطه بالأرض ليركض ويركض كما لو كان ذاهبا لإطفاء حريق في موضع ماء لكن ما أن يقترب من هدفه حتى ينقض عليه الضجر المميت فيستسلم للنوم طمعا في نسيان نفسه ثم سرعان ما تراه، بعد حين يعود أدراجه إلى المدينة التي أتى منها توا. إن القدرات العضلية والجنسية لهؤلاء تؤدي الثمن غاليا أثناء شبابهم لأنهم يُفرطون في استعمالها، وعندما يشيخون لا يجدون بين أيديهم إلا قدراتهم العقلية. وبما أن الإرادة هي القدرة الوحيدة التي لا يتهددها شبح النضوب، فإنهم يستثيرونها إلى الحد الأقصى من خلال الإثارة المتواصلة لشهواتهم، فيُدمنون على القمار وألعاب الحظ وما شابه. عموما، كلُّ شخص متبطل لا بد وأن يملأ أوقات فراغه في انسجام مع طبيعة قدراته الذاتية الغالبة. فقد يكون شغله الشاغل هو الاستغراق في لعبة الأوتاد أو الشطرنج أو الصيد أو الفروسية أو العزف أو لعب الورق أو الشعر أو الفلسفة إلى غير ذلك من الانشغالات.ونستطيع تناول هذه المسألة تناولا منهجيا من خلال إحالتنا على كل تمظهرات وتعبيرات الطاقة البشرية المركزة في القوى الفزيولوجية الثلاث، وهو ما يفرض تناولها خلال اشتغالها دون سعيها نحو تحقيق غايات سوف تتبدى على هذا النحو بصفتها مصدرا للأنواع الثلاثة للاستمتاع التي يعود إلى كل واحد من بني البشر أمر اختيار ما يتناسب فيها مع قدراته الذاتية ورجحان گفتها على ما سواها.
في البدء، هناك متع حياتية لها علاقة بـ إعادة الإنتاج، وتشمل الأكل والشرب والهضم والراحة والنوم. ومن الأقوام على هذه الأرض من يرفع هذه المتع إلى مناط المتع القومية مستدلةً بها على مجدها، أو بالأحرى على تصورها الخاص للمجد. وهناك متع قائمة على الإثارة وتشمل الأسفار والمصارعة والقفز والرقص والمسايفة والفروسية والألعاب البطولية كالصيد والقنص والمنازلة والحرب، وفي المقام الثالث، نجد متعا لها صلة بـ الحساسية من قبيل الانقطاع إلى التأمل والتفكير والتجارب الحسية ونظم الأشعار والفن التشكيلي والدراسة والقراءة والتدبر والابتكار والتفلسف وما شابه ولا بأس من الإدلاء ملاحظات عامة حول هذه الأنواع تخص قيمتها ودرجتها ومدتها، وهو أمر نتركه للأحكام المتباينة للقراء. غير أن هذا لا يمنع من القول بأن الجميع سوف يدرك بأن المتع المتحدرة من قدراتنا .
السعادة المتحصلة منها سيكبر شأنها ويشتد عودها كلما كانت قوة إعادة الإنتاج فينا من الصنف النبيل. لذلك لا أعتقد بأن أحدا سيجادل في أن المتع المرتبطة بالحساسية ستحتل المرتبة الأولى الذاتية ومن ضمن هذه العلاقة الطردية العامة بين القدرات الشخصية والسعادة
والمتع. فالمتع المتحصلة . من الحساسية لو رجحت كفتها في الإنسان ميزته تمييزا نوعيا عن الحيوان وطبيعي أن تأتي القوتان الأخريان المرتبطتين بالجسد في المرتبة الثانية واللتين يتساوى فيها الإنسان مع الحيوان، إن لم يكن هذا الأخير يضاهيه فيهما، فالطاقة العقلية البشرية تصدر عن الحساسية، وغلبتها في الإنسان تجعله أقدر على تذوق المتع العقلية، وتزداد هذه طرا مع الرجحان البين لكفة الحساسية فالعامي لن يهتم إلا بالأشياء التي تستثير إرادته، أي الأشياء التي يتوسم فيها مصلحته الشخصية المباشرة. غير أن كل استثارة ملحاحة للإرادة ذات طبيعة ممزوجة، فطبيعي إذن أن يمتزج فيها الألم بالمتعة. إن لعب الورق الشائع بين الناس في كل البلدان هو وسيلة من وسائل الاستثارة المقصودة للإرادة من خلال تركيزها على مكاسب صغيرة جدا قد تُسبب خسائر إلا أنها عابرة وطفيفة لا دائمة وجادة. مدغدغة للإرادة الإنسانية أولا وأخيرا. ويبقى ذو القدرات العقلية الغالبة هو الأقدر من دون الناس كافة، على الاهتمام الشديد بالأشياء والموضوعات بواسطة عقله الخالص والمجرد من أي أثر للإرادة، بل إنه يستشعر حاجة كبيرة إلى ذلك. لذلك، ينقله هذا النزوع الملح إلى منطقة خالية من الألم ولا تعرف عنه شيئا، ينقله إلى مدارات الآلهة الرافلين في حياة ميسرة، بينما يقضي العوام حياتهم في أجواء ملؤها الحذر والخمول الذهني، وتتجه أحلامهم وتطلعاتهم فيها إلى مصالح دنيئة ومكاسب صغيرة، غاية ما توفره لهم هو رغد العيش المصحوب بألوان من البؤس وما أن يقضوا وطرهم ويتوقفوا عن ملاحقة هذه الأحلام، حتى يتملكهم الضجر ويتركون لذواتهم.
إن الاندفاع الأهوج للأهواء هو وحده القمين بتحريك
العوام، بينما الألمعي القوي بتفوقه العقلي والرافل في عالم يمور بالأفكار والخواطر ويفيض حيوية، لا تشغله ولا تسترعي انتباهه إلا الأشياء الجديرة بالاهتمام ينصرف إليها كلما وجد وقتا لذلك، كما أنه يمتلك بداخله خزانا من المتع والمباهج الأكثر نبلا والأعلى كعبا. فالألمعي يستمد دفعته الخارجية من منجزات الطبيعة حواليه ومن الحركية البشرية، فضلا عن النتاجات المتنوعة للنوابغ عبر الأزمنة والأمكنة، والتي لن يتذوق حتى النخاع سواها لقدرته على فهمها والإحساس العميق بها، فهذه النتاجات قاومت عوادي الزمن لتصل إليه وتخاطبه مباشرة دون سواه. أما غيره من المخاطبين العابرين، فلن يفقهوا فيها إلا النزر اليسير ونتفا لا يكاد يجمعها رابط. وهذه الميزة تحمل الألمعي بحاجة دائمة إلى الاستزادة من العلم والتعلم والنظر والتأمل وبذل الجهد، وبالتالي فهو في حاجة دائمة أيضا إلى أوقات فراغ وتفرغ وكم كان فولتير محقاً عندما قال: الحاجات الحقيقية شرط تحقق المتع الحقيقية، والحال أن هذه الحاجات موقوفة على المتفوقين بعقولهم، تمكنهم من تذوق المتع والمباهج التي لا قبل للآخرين بها ولا يستطيعون إليها سبيلا لا تعدو أن تكون مباهج الطبيعة والفن والإنجازات العقلية في أعين العامة، حتى ولو أحاطت بهم من كل جانب، ما تكونه النسوة اللعوبات في عيني شيخ بلغ أرذل العمر. فالألمعي من الناس المحظوظ بطاقته العقلية يحيى حيــاتين، حياته الخاصة التي يشترك فيها مع عامة الناس، والحياة العقلية التي تنمو، على نحو تصاعدي، إلى أن تغدو غاية غاياته كلها، ويغدو ما عداها في تقديره، مجرد وسيلة بالمقابل، يجعل العوام من وجودهم التافه والموحش غاية مناهم ومبلغ علمهم، يتحدد الانشغال المركزي
للألمعي في التماهي مع حياة الأفكار التي ترفع طراً رصيده من المعارف والخبرات، كما أنه يسير بخطى ثابتة نحو مدارج التناسق والانسجام والكثافة الوجودية، بقدر ما يتشكل كوحدة متماسكة صاعدة نحو مراقي الكمال والاكتمال شبيها في ذلك بتحفة فنية تتشكل رويدا رويدا إلى أن تبلغ مداها وعندما نقارن حياته بحياة غيره، فلا بد أن تبدو هذه الأخيرة غاية في التعاسة والبؤس لاكتفائها بما هو عملي، وانقطاعها الكلي إلى توفير أسباب عيشة جيدة، ما يجعل هذه الحياة التي هي من نصيب العوام تنمو نموا طوليا يغيب عنه العمق العمق الذي هو مناط التفوق الإنساني ومعياره الأوحد، ومع ذلك، ترى أصحاب هذه الحياة “الطولية” يتخذونها غاية في حــد ذاتها، في الوقت الذي لا يعتبرها الألمعيون إلا وسيلة. فما أن تتوقف الأهواء عن تحريك الحياة العملية للناس حتى يتسرب إليها الضجر فتغدو بلا طعم، بينما تكون مؤلمة إذا كانت تحت رحمة الأهواء. لذلك، فالسعادة لا تكون إلا من نصيب الذين أوتوا من القدرات العقلية ما يفوق حاجة إرادتهم منها، فيعيشون بفضل ذلك حياة عقلية تملأ عليهم أوقاتهم وتُسلّيهم، كما تفيض نشاطا وحيوية، وتخلو مـــــن كل أثر للألم والملل يعيشون هذه الحياة العقلية جنبا إلى جنب مع حياتهم العملية التي يشتركون فيها مع غيرهم. غير أن التوفر على أوقات فراغ أي على طاقة عقلية معطلة وتابعة تبعية ذيلية للإرادة أمر غير كاف، فضلا عن أنه غير مرغوب، فهي أحوج ما تكون إلى فائض إيجابي من القوة بمقدوره أن يؤهل صاحبها لانشغالات روحانية غير تابعة تبعية مطلقة للإرادة وقد صدق سينيكا عندما قال بأن الراحة بلا درس ولا مذاكرة هي موت تضع صاحبها في اللحد
وهو لازال محسوبا على الأحياء. فلو توفر هذا الفائض الإيجابي للإنسان، بموازاة حياة عملية عادية، لحقق مسيرة متدرجة ومتعددة المسارات، سواء اتخذت شكل انشغال بجمع معلومات عن الحشرات أو الطيور أو المعادن أو النقود، أو شكلا أسمى وأرفع شأنا من قبيل الانشغال بالإنتاجات الرفيعة كالفلسفة والشعر. فالحياة العقلية لا تقي صاحبها من ويلات الضجر فحسب بل ومن عواقبه الوخيمة، كما تضعه بمنأى عن رفاق السوء وشتى المخاطر والخسائر والآلام التي قد تلم به وهو على طريق بحثه عن السعادة الكاملة في حياته العملية. أعترف شخصيا بخصوص هذه النقطة، بأن فلسفتي لم تجلب لي الشيء الكثير، إلا أنها وفرت عليَّ الوقوع في الكثير من هذه المخاطر والآلام والخسائر.
فتحُدُّه الأشياء الخارجية خلال بحثه المحموم عن المتع والشهوات من قبيل الثراء والمكانة والأسرة والأصدقاء والمجتمع وما شابه، فكل هذه تحجب عنه النظرة البعيدة عليها يُقيم صرح سعادته الذي سرعان ما ينهار بالكامل عندما تحيق به خسارة أو تصيبه إحباطات وتطوقه خيبات أمل يجوز القول عن هذا الشخص وأضرابه بأن نقطة جاذبيتهم تقع خارجهم، لذلك لا عجب إن كانت أمانيهم ونزواتهم لا تستقر على حال ولا يقر لها قرار. فإذا ابتسم الحظ لأحدهم، بادر إلى اقتناء إقامات فاخرة أو خيول جميلة أو إلى إقامة الحفلات والولائم والقيام بأسفار وفي كل هذه الحالات، يكون حريصا أشد الحرص على التباهي بمظاهر البذخ باحثا فيها عن إشباعات خارجية، مثله كمثل الكليل المنهك الذي يبحث عبثا عن الصحة والعنفوان المفقود في العقاقير والمخدرات الصيدلية غافلا عن أن مصدر هذا العنفوان إنما هو القوة الحية المنبعثة من دواخله وحتى لا نمر مباشرة إلى النقيض، لنضرب مثلا بشخص ذي مؤهلات عقلية متوسطة تتجاوز بالكاد المعدل العادي والكافي، فما أن تنضب المصادر الخارجية لمتعه وشهواته أو تعجز عن إشباع حاجياته حتى ينبري إلى الاهتمام بفرع من فروع الفنون الجميلة أو بعلم من علوم النبات أو المعادن أو الفيزياء أو الفلك أو التاريخ بحثا فيها عن مصادر بديلة للمتعة والتسلية في هذه الحالة يجوز القول دون مماحكة، بأن مركز جاذبية هذا الرجل بات يقع جزئيا، بداخله. هذا مع العلم بأنه شتان ما بين الهواية التي يمارسها والقدرة على الإبداع والعطاء في علم من العلوم فالعلوم تقتصر على دراسة الروابط بين الظواهر، ولا تتعداها إلى استيعاب الإنسان في كليته والتعمق في كينونته، وبالتالي التماهي مع نسيجه الوجودي قصد استخلاص معطياته وإبراز أهميتها فتلك مهمة موكولة حصريا للنابغة أي لذلك الشخص الذي درجنا على تسميته بالموهوب والعبقري أو الألمعي هو وحده القادر على التناول الكلي والشمولي للمسألة الوجودية وماهية الأشياء والتعبير
- عبر عنها بما يتناسب مع توجهه الفكري من خلال تصورات أصيلة وعميقة تتوزع بين الفن والشعر والفلسفة. فالشخص من هذه الطينة، ومن هذه الطينة وحدها، هو الذي يعتبر انشغاله المتواصل بذاته وبأفكاره وخواطره أمرا في غاية الأهمية، لا بل وحاجة لا سبيل لدفعها حاجة لا يستطيع عليها صبرا العزلة يستقبلها بالأحضان، ووقت الفراغ يعتبره خيرا أسمى، وما سواهما لا يلقي له بالا ومستعد كل الاستعداد وفي كل وقت للاستغناء عنه وطرحه جانبا. أما إن أتاه مهرولا ليقع بين
يديه فسيعتبره عالة للتخلص منها بأسرع ما يمكن. هذا الشخص وحده يجوز أن نقول عنه بأن مركز جاذبيته يقع بالكامل داخله وطبيعي تماما إن كان هو وأمثاله لا يهتمون اهتماما حميميا ومبالغا فيه بأصدقائهم وعوائلهم والخيرات العامة كما غيرهم، فهم أقدر الناس
على الاستغناء في نهاية المطاف عن كل شيء ونفض أيديهم من أي شيء ما داموا يملكون ذواتهم ويمسكون بزمامها في قرارة أنفسهم، يوجد عنصر عازل هو من القوة والحيوية بحيث يجعل الآخرين عاجزين بالمرة عن إرضائهم على الوجه الأكمل. لذلك، لا يعتبرونهم أقرانا لهم أو أندادا، ويتملكهم شعور دائم باختلافهم النوعي في كل شيء عما عداهم. يحدث أن يقع بصرك عليهم وهم وسط الناس، فإذا بك تراهم تائهين وشاردين دون إحساس منهم بذلك، كما لو كانوا من كوكب آخر، وفي غمرة تأملاتهم يُكثرون من استعمال ضمير الغائب “هو” ويستنكفون عن ضمير الجمع “نحن”.
من هذا المنظور يكون الألمعي أسعد الناس كافة لأن حياته توجهها المسلمة التي انطلقنا منها، والتي تقرر من خلالها أن ما يتوفر عليه الإنسان في داخله أغلى وأعظم من الموجود خارجه أو مما قد يأتيه من خارج. فالخارجي هو الموضوعي الذي لا قبل له بتأثير يمارسه إلا بواسطة الآخر أي من خلال الذاتي. لذلك، فتأثير الموضوعي على الإنسان، أي على الذاتي، يظل أمرا ثانويا، وهي الفكرة ذاتها التي عبر عنها هذا المقطع الشعري لـ لوسيان “غنى الروح هو الغنى الأوحد”
“وما سواه ينغل بالألم.”
فالذي ينعم بغنى النفس لا يطلب من العالم الخارجي كله إلا عطاء سلبيا، أي تمكينه من أوقات فراغ وتفرغ ليتسنى له تطوير وتجويد ملكاته العقلية ومقدراته الفكرية والاستمتاع بخيراته ونعمه الجوانية (أو الذاتية). معنى ذلك أنه لا يطلب طيلة حياته، وفي كل وقت وحين، إلا حرية القدرة على أن يكون ذاته، فهذه هي غاية مطالبه ومنتهى مناه، فلا وجود لمن قبض له بأن يترك أثره الفكري في حياة الناس، إلا لسعادة واحدة وتعاسة واحدة. أما سعادته فهي قدرته على تطوير وتجويد مواهبه وإنهاء أعماله وإيصال مشاريعه الفكرية إلى بر الأمان، بينما تعاسة هي أن يحول حائل دون ذلك. وما عدا ذلك فهو من التوافه التي لا تستحق العناء. لهذا السبب، كان النوابغ في التاريخ كله يسحبون قيمة عليا على أوقات فراغهم وتفرغهم، فقيمة الإنسان عندهم تقاس بالقيمة التي يسحبها على هكذا أوقات .
يقول أرسطو تنال السعادة في أوقات الفراغ، وينقل ديوجين الأيرسي عن سقراط أنه كان يعتبر وقت الفراغ أعظم وأجمل ثروة. ولا شك أن أرسطو كان يستحضر هذه الفكرة عندما قال في كتابه السياسة: حياة الفيلسوف هي أجمل حياة، قبل أن يُضيف: إن السعادة الحق تتأتى من قدرة الإنسان على ممارسة مواهبه بمنتهى الحرية. ويقول غوته من ولد بموهبة وكرس لها كل حياته، فستمنحه أجمل حياة على وجه الأرض. غير أن التوفر على أوقات فراغ وتفرغ ليس من الأمور المتيسرة في الحياة العادية لبني البشر، إذ حكمت عليهم الطبيعة بأن يقضوا حل أوقاتهم بحثا عن الضرورات الحياتية والعائلية. فالإنسان هو أولا
وأخيرا ابن للبؤس وليس عقلا حرا. لذلك، من الوارد أن تكون أوقات الفراغ بالنسبة لمعظمهم، عالة حقيقية قبل أن تتحول إلى عذاب أليم إن هم فشلوا في ملئها باهتمامات خيالية أو مفتعلة، أو باللهو واللعب وانشغالات مُفضَّلة عند هؤلاء وأولئك، وهذا من شأنه أن يجلب عليهم مخاطر شتى وتترى بالمثل، فالقدرات العقلية المفرطة ظاهرة غير طبيعية إن كانت من نصيب الألمعي الموهوب، فلابد أن يحتاج إلى أوقات فراغ زائدة حتى يتحصل منها على سعادته، أوقات ستكون في موازين غيره من عديمي الموهبة والتألق، مزعجة ومشؤومة، في حين سيكون الألمعي أتعس الناس لو افتقدها وأعوزته. لكن لو اجتمع هذين الاستثناءين في شخص واحد، فكن على يقين بأنهما سيهبانه السعادة القصوى، إذ يغدو بفضلهما محظوظا ومندورا لحياة من الطراز الرفيع حياة خالية من المصدرين المتعارضين للمعاناة الإنسانية، وهما الحاجة والضجر. كما سيغدو هذا الشخص في حل من الكدح الإنساني المعهود لأجل إشباع الحاجات الأساسية، وفي حل من حال العجز عن تحمل وإطاقة أوقات الفراغ بصفتها وجودا خاليا من أي اهتمام أو انشغال. وبعبارة أخرى، فالإنسان لن يتخلص من قبضة هذين الشرين المتربصين به إلا بتحييدهما وإبطال
مفعولهما على نحو متبادل. وعلى الضفة الأخرى، يتوجب الإقرار بأن النشاط الذهني شأنه إثارة القدرات العقلية الكبيرة التي تهيج، بدورها، القدرة على الإحساس بالآلام والمسؤولة عن رفد صاحبها بمزاج متوتر ملازم له وحيوية مفرطة وإدراك متقدم للأشياء. وهذا كله يمده بانفعالات قوية متمخضة عن عنف مفرط وغير متناسب .
والحال أننا نعرف بأن الانفعالات المؤلمة أوفر عددا وكثافة من مثيلاتها
الممتعة
أخيرا، لابد من الإشارة إلى أن القدرات العقلية الرفيعة تجعل صاحبها غريبا عن عالم الناس وجلبتهم وتدافعهم، لأنه يدرك حق الإدراك بأنه كلما امتلك أكثر في داخله إلا وازداد استغناءه عنهم. فالكثير من الأشياء التي يجد فيها الناس متعتهم القصوى وغاية مناهم تتبدى، في موازينه تافهة بله مُنفّرة. وقد تكون قاعدة التعويض الفاعلة في كل مجالات الحياة فاعلة أيضا في هذه المسألة. فألسُنُ الناس لا تكف عن ترديد الكلام القائل بأن أخ الجهالة” هو الأسعد، لا بل وفي الشقاوة ينعم، وهو كلام لا يخلو من صحة. لكن لن يحسده أو يغبطه على مثل هذه السعادة من يمتلك ذرة عقل. لا أريد أن أستبق القارئ وأقترح حلا نهائيا للجدل الدائر حول
مدى اقتران الجهل بالسعادة والعلم بالشقاوة، خصوصا وأن ل سوفوكل رأيين متعارضين في هذا الباب؛ فهو يقول من جهة: المصدر الأول للسعادة، ومن جهة أخرى يقول أيضا: سحر الحياة وفتنتها من نصيب الذين لا يفكرون. كذلك الفلاسفة الأقدمون لا يُجمعون على رأي واحد حول هذه النقطة، فتجد أحدهم يقول مثلا: الموت أفضل من حياة الأحمق، وتجد آخر يقول رأيا مخالفا حيث تكثر الحكمة يكثر الألم. وفي انتظار التوسع في هذه النقطة، لا بأس التنويه إلى أن كلمة Philister ، والتي لا نجدها إلا في الألمانية، تدل، تباعا، على البرجوازي والبقال والفلستيني. غير أن معناها الدقيق هو الإنسان ذو القدرات العقلية المحدودة جدا إلى الحد الذي تعوق فيه إحساسه
وقدرته على التفاعل مع حاجات روحانية ومعنوية فيغدو كائنا خاليا ومجردا منها تماما. وقد كانت هذه الكلمة محصورة التداول في أوساط طلاب العلم قبل أن تتوسع دلالتها لتشمل عموم الذين لا يتحدرون من رحم “ربات الفن” والمحكوم عليهم لهذا السبب، بأن يظلوا أبد الآبدين من العوام والتافهين ومن زمرة البرابرة، ولا أرى غضاضة في توسيع دلالة الفلستيني لتشمل المنشغلين انشغالا مغاليا أناء الليل وأطراف النهار بواقع متعدد متكاثر وغير متجانس، غير أن هذا التعريف الترانسندتنالي لا يتناغم بالتأكيد مع المنظور الشعبي المحايث الذي أتموقع فيه بهذا البحث، وبالتالي سيكون فهمه عصياً على القراء. وهذا خلافا للتعريف الأول الميسر والذي يُحيل على الجذر اللغوي الأصلي الذي انبثقت منه وتفرعت عنه كل خصائص الشخص الفلستيني، إذ يحيل حصريا على الشخص المجرد من الحاجات الروحانية. وتترتب عنه نتائج عدة، أولها أن هذا الشخص يفتقر، في علاقته بذاته، لـ متع ومباهج روحية، والحال أن المتع الحقة ممتنعة دون حاجات حقة كما قالت بذلك حكمة مركزة تقدم ذكرها .
تغدو حياة هذا الشخص خالية تماما من أي تطلع إلى اكتساب معارف وبلورة أحكام حول أشياء هذا العالم ترفدها بما هي في حاجة إليه من حيوية وعنفوان ولخلو هذه الحياة من مثل هذه التطلعات فإنها ستخلو أيضا من أي توق إلى المتع الجمالية، فثمة رابطة وثيقة بين هذه التطلعات وذلك التوق. وعندما تجبره الموضة العابرة أو إكراه من الاكراهات على التفاعل مع مثل هذه المتع التي تفوق مداركه، فإنه لا يتخرج من استعجال التخلص منها كما يستعمل المحكوم بالأشغال
الشاقة التخلص من محكوميته. فقد أخذت منه المتع الحسية كل وقتــــه واهتماماته، فباتت شغله الشاغل وديدنه لا يتوقف عن اللهاث خلفها ومطاردتها. لذلك، لا غرابة إن كانت الشمبانيا والمحار هما أعــز مـــا يُطلب في وجوده كله وكذلك اللهاث بلا هوادة، خلف أسباب الرغد المادي؛ هي ذي غايته الوحيدة يكون أسعد الناس عندما تشغله بما فيه الكفاية ولو وهب هذه الخيرات دون أن يبذل جهدا في الحصول عليها سقط توا تحت رحمة الضجر المميت. وحتى يطرده من حياته يندفع بحثا عن تحقيق كل الشهوات التي تراوده من حفلات راقصة ومسرح واختلاط بالناس ولعب الورق وألعاب الحظ وركوب الخيل ومعاشرة النسوان ومعاقرة الخمرة والاندفاع نحو الأسفار إلى غير ذلك من الملاهي. ولن يكفيه ذلك كله بل سيستزيد من المتع الحسية العابرة درءا للملل ودفعا للضيق. إلا أن الغائب الأكبر في كل هذه المتع هو مباهج الروح والعقل المتمنعة دون توافر حاجيات عقليــــة وروحية. لذلك، فالفلستيني يغلب عليه جد متجهم وجاف مماثل لنظيره عند الحيوانات فلا شيء يبهجه ويحرك دواخله ويثير اهتمامه. وحدها المتع المادية تنجح في ذلك، والتي ما أن يقضي وطره منها بسرعة خاطفة حتى يلهث وراء الاختلاط بالناس الذي يقوده رأسا إلى الوقوع في الملل، فيُحرِّب لعب الورق ثم يتعب منه لينتقل إلى تجريب شهوة الغرور والتباهي باحثا عنها في كل مكان من خلال حرصه الشديد على التنافس على الثروة والمكانة والنفوذ والسلطة أملا في التفوق على منافسيه وكسب تقدير الناس. وقد يقنع بدل ذلك، بالتقرب ومعاشرة المتوفرين على هذه الامتيازات والعيش في ظلهم كي يظهر بظهرهم، وهذا ما تسميه تنفجا. النتيجة الثانية الملازمة لشخص الفلستيني لها علاقة بصلته بالآخرين، فيما أنه يفتقد للحاجات العقلية، وتتمحور كل انشغالاته حول الأمور المادية، فليس له إلا أن يلهث وراء كل الذين يتوسم فيهم إشباعها طالما أن الحاجات العقلية لا تعني له شيئا. ففي حضرة أهل المزايا العقلية والمناقب الفكرية، تجده متبرما، ممتعضا، بل قد يقطر كرها لهم لأنهم يذكرونه بدونيته ويثيرون حسده الأعمى الذي يخفيه بعناية إلى أن يكبر ويكبر فيغدو سُعارا أصما. فالفلستيني لا يقيس الاعتبار والتقدير بالتوفر على تلك المزايا والمناقب، بل يقيسه بالجاه والثروة والسلطة والنفوذ التي هي مزاياه الوحيدة الجديرة بأن يبذل في سبيلها قصارى جهده ووقته. والسبب يكمن في خلوه الكامل من الحاجات العقلية والاهتمامات الفكرية، بل إن معاناته القصوى مصدرها، قطعا، هو هذه الأمور العقلية المجردة الذي هو أعجز ما يكون من أن يستخلص منها أي تسلية. لذلك تجده هاربا منها ولاها خلف الوقائع، وفي هروبه منها هروب من الملل الذي تُسببه له. غير أن المشكل يكمن في أن هذه الوقائع سرعان ما تفرغ مـــا بجعبتها فتتعبه بدل أن تسليه ذلك أن اللاهثين خلفها لا يجنون منها إلا المصائب والنوائب، عكس الأمور العقلية المجردة (المثل) التي لا ينضب معينها فضلا عن أنها مأمونة الجانب.
أنوه إلى أني طيلة هذا المقال حول الشروط الذاتية لتحقق السعادة، تعمدت التركيز على المزايا العقلية والبدنية. أما الرقي في مدارج الكمال الأخلاقي والمعنوي، والذي يساهم بقسطه المؤكد في السعادة الإنسانية، فسيجد القارئ عرضا شافيا وكافيا عنه في مقال
حول أسس الأخلاق……..إنتهى


