جهوي

خريجو ما بعد العشر سنوات.. حين يتحول الانتظار إلى إقصاء صامت

شهادات جامعية، أعمار تجاوزت الأربعين، وسنوات طويلة من الانتظار.. فهل أصبح طول البطالة سببًا إضافيًا للإقصاء؟

بين سنوات الدراسة، وفرحة التخرج، وأحلام الالتحاق بمنصب عمل يضمن الاستقرار، تبدأ بالنسبة للكثير من خريجي الجامعات رحلة أخرى أكثر قسوة: رحلة الانتظار.

فئة من حاملي الشهادات ممن تجاوزت مدة تخرجهم عشر سنوات، وتجاوزت أعمارهم الأربعين عامًا، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع مهني شديد التعقيد، بعدما استنفدوا سنوات طويلة في البحث عن فرصة عمل دون أن تتحقق.

هؤلاء لا يتحدثون عن امتيازات خاصة، بقدر ما يطرحون سؤالًا بسيطًا: ماذا عن الذين طال انتظارهم حتى أصبح طول البطالة نفسه عائقًا أمامهم؟

فمع مرور السنوات، تتغير الشروط والمعايير، وتتوالى برامج الإدماج والتوظيف، بينما يجد بعض هؤلاء أنفسهم خارج العديد من الصيغ، بسبب عامل السن أو مدة الحصول على الشهادة أو شروط أخرى مرتبطة بالاستفادة.

والأكثر إيلامًا، وفق ما يطرحه المعنيون، أن بعضهم يجد نفسه أيضًا خارج نطاق الاستفادة من منحة البطالة، ليصبح أمام وضعية تبدو أشبه بـ”المنطقة الرمادية”: لا هو موظف، ولا هو مستفيد من برامج الإدماج، ولا يجد في سوق العمل فرصة تتناسب مع سنه وشهادته.

فوراء كل شهادة جامعية قصة إنسانية مختلفة؛ شاب تخرج بأمل، أرسل عشرات الملفات، اجتاز مسابقات، انتظر القوائم، تابع الإعلانات، ثم أعاد الكرة عامًا بعد آخر.

ومع مرور عقد كامل، يجد نفسه وقد تجاوز الأربعين، بينما أصبحت عبارة “حديث التخرج” بعيدة عنه، وأصبح عامل السن حاضرًا بقوة في كل محاولة جديدة للولوج إلى سوق العمل.

وهنا تبرز المفارقة: كلما طال انتظار الخريج للعمل، أصبح أكثر ابتعادًا عن بعض فرص الإدماج والتوظيف.

فالمعنيون يطالبون بفتح نقاش جدي حول وضعية هذه الفئة، ليس من باب المطالبة بمنصب على حساب مبدأ المنافسة، وإنما من أجل إيجاد آليات تراعي خصوصية من استهلكوا سنوات طويلة في البطالة.

ومن بين المقترحات التي يمكن أن تطرح للنقاش: احتساب مدة البطالة الطويلة ضمن معايير الأولوية، مراجعة بعض الشروط العمرية في برامج التوظيف والإدماج، وإيجاد صيغ خاصة لفائدة حاملي الشهادات الذين تجاوزت بطالتهم مددًا طويلة. 

المشكلة لا تتعلق بالعمل فقط، بل بما يتركه الانتظار الطويل من آثار اجتماعية ونفسية واقتصادية على الفرد والأسرة.

فبعد سنوات من الدراسة، يجد خريج تجاوز الأربعين نفسه أمام سؤال صعب: هل أصبحت سنوات البطالة الطويلة سببًا في حرمانه من الفرص بدل أن تكون معيارًا يمنحه الأولوية؟

إنها قضية تتجاوز الأرقام والقوائم، لأنها تتعلق بفئة تقول إنها لم تفقد الرغبة في العمل، وإنما فقدت مع مرور السنوات الفرصة التي كانت تنتظرها.

ويبقى مطلب هذه الفئة واضحًا: فتح باب للحوار، وإعادة النظر في وضعية من طال انتظارهم، بما يضمن لهم فرصة عادلة للاندماج في الحياة المهنية، بعيدًا عن منطق الإقصاء بسبب السن أو طول فترة البطالة.

فالسؤال اليوم ليس: لماذا لم يعملوا؟

بل: ماذا أُعدّ لمن انتظروا عشر سنوات وأكثر؟

مولود علواش 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى