الحدثوطني

دفء بعد الصقيع: الجزائر ومدريد تطويان صفحة التوتر وتدشنان مرحلة “الشراكة الاستراتيجية”

الجزائر — عاصفة نيوز

في خطوة حاسمة لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الدبلوماسية وأكثرها تعقيداً في حوض المتوسط خلال السنوات الأخيرة، غادر رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، العاصمة الجزائرية عقب زيارة عمل وصداقة استغرقت يوماً واحداً، حملت في طياتها رسائل سياسية واقتصادية عالية التشفير، وأعلنت رسمياً فتح “صفحة جديدة” في العلاقات بين البلدين المبنية على النفع المتبادل والاحترام المتبادل.

الزيارة، التي تعد الأولى لسانشيز منذ أكتوبر 2020، جاءت لتتوج مسار مصالحة هادئاً جرى تعبيده خلال الأشهر الماضية، لتطوي بذلك حقبة من الجفاف الدبلوماسي اندلعت ربيع 2022، وألقت بظلالها على المبادلات التجارية ومعاهدة الصداقة وتنسيق الملفات الإقليمية.

محطة جوهرية واختبار نيات

خلال مؤتمر صحافي مشترك أعقب مباحثات موسعة بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وضيفه الإسباني، وصف تبون الزيارة بأنها «محطة جوهرية» تعكس الإرادة السياسية الصريحة لإعادة إطلاق الشراكة الجزائرية الإسبانية بدفع جديد، تمهيداً للدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى المرتقب عقده بين حكومتي البلدين في أكتوبر المقبل.

وأوضح الرئيس الجزائري أن أجندة المباحثات لم تقتصر على معالجة رواسب الماضي، بل امتدت لتشمل إعادة هيكلة التعاون في مجالات حيوية:

  • الملف القضائي والأمني: دعوة مدريد لمواصلة التجاوب مع طلبات الإنابة القضائية وتسليم الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد، مع الإشادة بالنتائج المحققة حتى الآن.
  • إدارة التدفقات البشرية: التنسيق المكثف لمكافحة الهجرة غير النظامية، والاتجار بالبشر، والجريمة المنظمة عابرة الحدود، مع العمل بالتوازي على تسهيل تنقل الأشخاص شرعياً.
  • العمق الأوروبي: مطالبات جزائرية لإسبانيا باستغلال ثقلها داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة التوازن للشراكة الاقتصادية، وإعادة تفعيل «مجلس الشراكة الجزائري الأوروبي» المجمد منذ 2020.

الطاقة والغاز.. العمود الفقري للثقة

وفي وقت تعيش فيه أسواق الطاقة العالمية حالة من الليونة والتحول، جدد الرئيس تبون التزام الجزائر الكامل بكونها «المورد الموثوق والأول» للأمن الطاقوي لإسبانيا وأوروبا، معرباً عن تطلع البلاد لنقل هذه الشراكة من الغاز التقليدي إلى آفاق الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

من جانبه، لم يتردد سانشيز في إرسال إشارات طمأنة واضحة للداخل الإسباني وللجزائر، مؤكداً أن الجزائر كانت خلال عام 2026 المورد الرئيسي للغاز الطبيعي لإسبانيا، مشدداً على أن بلاده لا ترى في الجزائر مجرد دولة مجاورة، بل «شريك استراتيجي وصديق عزيز».

“الجزائر تحتل مكانة خاصة في السياسة الخارجية الإسبانية، ويمكنها دائماً الاعتماد على مدريد بالنظر لوزنها الجيوسياسي وموقعها المتوسطي والإفريقي المحوري.”بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية

الأولويات الثلاث لخارطة الطريق الجديدة

وكشف سانشيز عن تحديد مدريد لثلاث أولويات رئيسية لرسم معالم المرحلة المقبلة:

  1. إعادة بناء الحوار السياسي: التنسيق الفوري بين طاقمي البلدين للتحضير للاجتماع الحكومي رفيع المستوى في الخريف، لدفع التعاون الأمني والثقافي (توج بانتخاب إسبانيا ضيف شرف لمعرض الجزائر الدولي).
  2. توسيع الشراكة الاقتصادية: تجاوز حصانة قطاع المحروقات نحو مجالات رقمنة البنى التحتية، الانتقال الطاقوي، الصناعات الغذائية، والابتكار، معززة بوفد رفيع من رؤساء كبريات الشركات الإسبانية لترسيخ الاستثمارات.
  3. التنسيق الجيوسياسي والدولي: الاستفادة من موقع البلدين كـ “جسر بين إفريقيا وأوروبا” لمعالجة أزمات منطقة الساحل، ليبيا، والشرق الأوسط، والعمل تحت مظلة ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

كما عبر الرئيس الجزائري عن ارتياحه للشجاعة السياسية والموقف “المشرف” للحكومة الإسبانية تجاه القضية الفلسطينية، فضلاً عن تقارب الرؤى بشأن ضرورة دعم الجهود الأممية في ملف الصحراء الغربية وتغليب الحلول السلمية.

قراءة في الأبعاد الاقتصادية والسياسية

تأتي هذه الزيارة بعد أزمة حادة تسببت في خسائر تقدر بمئات الملايين من اليوروهات للشركات الإسبانية، وتراجع حاد في الصادرات الإسبانية عقب تعليق معاهدة الصداقة وسحب السفراء. ويرى مراقبون أن عودة الدفء للارتباطات الجزائرية-الإسبانية لا تعني مجرد عودة المبادلات التجارية إلى سابقتها، بل تؤسس لمعادلة واقعية جديدة تعتمد على:

  • البراغماتية الاقتصادية: حاجة مدريد الماسة للغاز الجزائري ورغبة الجزائر في تنوع شراكائها التكنولوجيين.
  • التوازن الإقليمي: إدراك إسبانيا أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية في غرب المتوسط والساحل لا يمكن أن تتجاهل الوزن الدبلوماسي والعسكري للجزائر.

ختاماً، يغادر سانشيز الجزائر ومعه ملفات دافئة ووعود باستثمارات متجددة، ليضع البلدين على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها “المنافع المتبادلة”، في وقت ينتظر فيه الشارع الاقتصادي والسياسي في كلا الضفتين ما ستسفر عنه اجتماعات الخريف القادم لتحويل هذه النوايا إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى