الحدثرأي

لغز 25 جوان 1965: تفكيك “خلفيات” تأييد عبد الحفيظ بوصوف لانقلاب بومدين ضد بن بلة

  • السقوط في فخ التلميذ: كيف اشترى “ثعلب المخابرات” عبد الحفيظ بوصوف أمانه من عدوه اللدود هواري بومدين؟
  • لغز 25 جوان 1965: هل كان بوصوف مهندس الإطاحة بـ “بن بلة” أم مارس آخر ألاعيبه لبيع الوهم؟
  • عندما انحنى “الأستاذ” مجبراً: الخديعة التاريخية وراء مبايعة بوصوف لانقلاب بومدين!
  • مقابلة (ORTF) الغامضة: قراءة نقديّة في “صك الغفران” الذي قدمه عبد الحفيظ بوصوف لخصمه التاريخي

تحقيق وتدقيق: عمّـــــار قـــردود

في 25 جوان 1965، وبعد ستة أيام فقط من الإطاحة بالرئيس أحمد بن بلة فيما سُمي بـ”التصحيح الثوري” الذي قاده وزير الدفاع آنذاك العقيد هواري بومدين، ظهر رجل المخابرات القوي والغامض، مؤسس جهاز الـ (MALG) عبد الحفيظ بوصوف (سي مبروك)، في مقابلة تلفزيونية لافتة مع هيئة البث التلفزيوني الفرنسي (ORTF).

حينما وجه إليه الصحفي الفرنسي سؤالاً مباشراً وعميقاً حول ما إذا كان له دور خفي في هذا الانقلاب، أجاب بوصوف بدبلوماسية وغموض يحملان الكثير من الرسائل:

“لا أستطيع القول إن كان لي دور في الانقلاب على أحمد بن بلة أم لا، ولكنني موافق تماماً على كل ما قام به هواري بومدين، وأن قرار الانقلاب كان القرار الصائب”.

يفتح هذا التصريح الباب أمام واحد من أعقد الملفات التاريخية في جزائر ما بعد الاستقلال: كيف يمكن لرجل كان يُصنف -وفق مؤرخين وسياسيين على رأسهم الأستاذ محمد سعدي- كأحد أشد أعداء بومدين، وأن لو أتيحت له الفرصة للتخلص منه بعد عام 1960 أو الوقوف في وجهه عشية استقلال 1962 لفعل، أن يخرج ليعلن دعمه المطلق لخصمه القديم؟ هل كان بوصوف فعلاً العقل المدبر من خلف الستار، أم أن تصريحه لم يكن سوى مناورة سياسية ورسالة تقرّب ذكية من السلطة الجديدة؟

1. الخلفية التاريخية: الصراع الصامت بين “بوصوف” و”بومدين”

لفهم عمق التناقض في موقف بوصوف، يجب العودة إلى الجذور التنافسية بين الرجلين داخل الولاية الخامسة التاريخية وفي قيادة الثورة:

-الأستاذ والتلميذ: كان عبد الحفيظ بوصوف هو القائد المباشر لهواري بومدين (محمد بوخروبة) في الولاية الخامسة (الوهراني). بوصوف هو من رقى بومدين ودعمه ليتولى قيادة الولاية بعد مغادرته صوب قيادة “هيئة أركان الغرب” ثم تأسيس وزارة التسليح والاتصالات العامة (MALG).

-انفلات زمام السلطة (1960): مع صعود بومدين وتوليه قيادة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني عام 1960، بدأ “التلميذ” يبني قوته الخاصة مستنداً إلى جيش الحدود المنظم، مستقلاً تدريجياً عن نفوذ “الأستاذ”. هنا بدأ بوصوف يشعر بأن بومدين أضحى يشكل خطراً على نفوذه ونفوذ “الباءات الثلاثة” (بوصوف، كريم بلقاسم، بن طوبال). وتشير شهادات تاريخية، من بينها قراءات الأستاذ محمد سعدي، إلى أن بوصوف لو كان يملك القدرة العسكرية أو السياسية لتصفية نفوذ بومدين في تلك الفترة لفعل دون تردد، لكن جيش الحدود كان قد أصبح عصياً على الاختراق.

-أزمة صيف 1962 والعزل: في صراع القوى عشية الاستقلال، انحاز بوصوف تاريخياً وطبيعياً إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA) وتحالف مع كريم بلقاسم ضد تحالف (بن بلة – بومدين). وبانكسار الحكومة المؤقتة ودخول جيش الحدود للعاصمة، وجد بوصوف نفسه مقصياً تماماً من المشهد السياسي، ومبعداً عن السلطة نهائياً منذ عام 1962، ليعيش تحت مراقبة صامتة من نظام بن بلة وبومدين.

2. فرضية “الخيط الخفي”: هل كان بوصوف وراء “التصحيح الثوري”؟

تذهب بعض القراءات التآمرية إلى أن بوصوف -باعتباره مهندس الاستخبارات الأول- لا يمكن أن يغيب عن حدث بحجم إقالة بن بلة. إلا أن النقد التاريخي والتحليلي المبني على توازنات القوى يكشف ضعف هذه الفرضية لعدة أسباب:

-انقطاع الصلة العضوية: بحلول عام 1965، كان بوصوف قد قضى ثلاث سنوات كاملة بعيداً عن دوائر القرار الفعلي (الجيش والمخابرات). الأجهزة التي كان يديرها تفرقت؛ فقسم كبير من “رجاله” (رجالات المالغ السابقين) تم استيعابهم داخل الدولة أو تجميدهم، بينما أعاد بومدين هيكلة الأمن العسكري (الأستخبارات) تحت قيادة العقيد قاصدي مرباح، الذي كان يدين بالولاء المطلق لبومدين وليس لبوصوف.

-طبيعة التحضير للانقلاب: تشير مذكرات المشاركين في حركة 19 جوان (مثل طاهر زبيري، أحمد بن شريف، والشاذلي بن جديد) إلى أن دائرة التخطيط كانت ضيقة جداً ومحصورة في “مجلس الثورة” الضيق وضباط الجيش الفاعلين في الخدمة؛ بدافع إنقاذ أنفسهم من مقصلة الإقالات التي كان بن بلة يحضر لها. لم يكن هناك أي مبرر عملياتي لإشراك رجل مدني معزول سياسياً مثل بوصوف في خطة عسكرية حساسة تخشى التسريب.

وبالتالي، فإن الزعم بأن بوصوف كان “وراء” التصحيح الثوري عسكرياً أو تنظيمياً هو زعم يفتقر للدليل المادي، ويتناقض مع طبيعة بومدين وشخصيته التي لم تكن تقبل باقتسام سلطة القرار مع “أستاذها القديم”.

3. تفكيك شفرة المقابلة: لماذا أيّد بوصوف خصمه القديم؟

إذا كان بوصوف لم يشارك، فلماذا لم يلتزم الصمت؟ ولماذا خرج عبر شاشة تلفزيون أجنبي (فرنسا) ليعلن الولاء التام للحركة؟
تكمن الإجابة في تداخل المصلحة الشخصية بـ “العداء المشترك”، ويمكن تلخيص الأسباب في النقاط التالية:

أ. “عدو عدوي صديقي” (تصفية الحسابات مع بن بلة)
#كان عبد الحفيظ بوصوف يحمل ضغينة عميقة وشخصية تجاه أحمد بن بلة. بن بلة هو من قاد عملية إقصاء رجالات الحكومة المؤقتة (بما فيهم بوصوف)، وهو من تبنى خطاباً شعبوياً هاجم فيه قادة الثورة التقليديين. بالنسبة لبوصوف، سقوط بن بلة كان بمثابة “عدالة تاريخية” وتأسيساً لانتقام سياسي شخصي، حتى لو جاء هذا الانتقام على يد خصم آخر كبومدين.

ب. قراءة براغماتية لطبيعة النظام الجديد

بوصوف كإستراتيجي أدرك فوراً أن ميزان القوى قد حُسم؛ فالجيش هو من بات يحكم بشكل مطلق. المعارضة في الخارج (كريم بلقاسم، بوضياف) كانت عاجزة، والمعارضة في الداخل تم تفكيكها. إعلان التأييد كان اعترافاً بالأمر الواقع، ومحاولة للتموقع في العهد الجديد لحماية نفسه، وممتلكاته، وتحركاته كرجل أعمال بدأ ينشط في التجارة الدولية.


ج. “رسالة تقرّب” وبطاقة أمان

إن العبارة الدبلوماسية الماكرة التي قالها بوصوف (“لا أستطيع القول إن كان لي دور أم لا”) لم تكن موجهة للمشاهد الفرنسي، بل كانت رسالة مشفرة ومقايضة سياسية موجهة لهواري بومدين مباشرة:

-بوصوف يلمح للرأي العام والفرنسيين بأن لديه يداً أو نفوذاً، لكي يحافظ على هيبته الأسطورية كرجل قوى غامض.


-في نفس الوقت، يمنح بومدين “شرعية تاريخية” من قِبل أحد أكبر قادة الثورة، وهو ما كان بومدين بحاجة ماسة إليه في تلك الأيام الأولى لتثبيت حكمه دولياً وداخلياً ضد بروباغندا بن بلة.

بناءً على التمحيص التاريخي وسياق الأحداث، يتبين أن أطروحة الأستاذ محمد سعدي والمؤرخين الذين يصفون تأييد بوصوف لحركة 19 جوان بأنه “مجرد رسالة للتقرب من جديد من بومدين وبطاقة ضمان أمنية” هي الأطروحة الأكثر واقعية وتطابقاً مع الحقائق على الأرض.

لم يكن بوصوف العقل المدبر للحركة، ولم يكن يملك الآليات العسكرية لذلك وهو البعيد عن السلطة منذ ثلاثة أعوام. لكنه، بحسه الاستخباراتي والبراغماتي، عرف كيف يركب الموجة السياسية؛ فحقق بظهوره التلفزيوني ضربة مزدوجة: شفي غليله من غريمه بن بلة، وقدم “صك غفران وتأييد” لتلميذه القديم بومدين، مما ضمن له العيش في أمان وسلام بعيداً عن الملاحقات والاعتقالات التي طالت معارضي تلك الحقبة، مفضلاً كبرياء “الموافق الذكي” على مقصلة “المعارض المعزول”.

حين تصنع “المصلحة” أساطير من ورق

في نهاية المطاف، تكشف المقابلة التلفزيونية لـ 25 جوان 1965 عن الوجه الأكثر براغماتية —وربما الأكثر رعباً— لرجال الظل في تاريخ الثورات. لم يكن عبد الحفيظ بوصوف وراء “التصحيح الثوري”، بل كانت السلطة قد أفلتت من بين أصابعه إلى غير رجعة منذ صيف 1962.

لكن الصدمة الحقيقية لا تكمن في غيابه عن التخطيط، بل في قدرته الخارقة على تحويل انكساره وعزلته إلى “وهم نفوذ”؛ لقد مارس “سي مبروك” في تلك الدقائق المعدودة آخر وأخطر ألاعيبه الاستخباراتية: بيع الوهم للرأي العام، وشراء الأمان من الخصم التاريخي.

لقد كانت تلك المقابلة بمثابة “مبايعة اضطرارية” ذكية؛ انحنى فيها “الأستاذ” مجبراً أمام طاولة “التلميذ” الذي طالما تمنى تصفيته، مفضلاً براغماتية البقاء على كبرياء المواجهة. ومات بوصوف في صمت، تاركاً للتاريخ لغزاً مشوقاً، ومثبتاً أن في لعبة السلطة والسياسة… لا توجد عداوات دائمة ولا مبادئ مطلقة، بل توجد فقط “مصالح” تصنع التحالفات، وتدفن الأحقاد، وتصيغ التاريخ كما يريده الأقوى!

التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى