
مدريد – وكالات
شهد البرلمان الإسباني، أمس الأربعاء، جلسة ساخنة تصدر فيها ملف الصحراء الغربية النقاشات السياسية والدبلوماسية، عاكسةً الانقسام الداخلي المستمر في مدريد حول طريقة تدبير هذا النزاع الإقليمي. وفي قلب العاصفة البرلمانية، وقف وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، ليدافع عن خيارات حكومته، معلنًا في الوقت ذاته عن تأييد مدريد لمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين قبل عام 1975، ومؤكدًا على مركزية الحلول الأممية لتفادي استمرار النزاع لنصف قرن آخر.
وحضر الملف في الجلسة عبر مستويين رئيسيين: التطورات الميدانية الأخيرة في المنطقة، والمعركة القانونية والسياسية المرتبطة بالهوية والجنسية.
صمت مدريد عن “مقتل” نجل زعيم البوليساريو السابق: واقعية ميدانية أم حياد دبلوماسي؟
فجّر نواب من “اليسار الجمهوري الكتالاني” نقاشًا حادًا بخصوص مقتل القيادي في جبهة البوليساريو، محمد لحبيب عبد العزيز (نجل الزعيم الراحل للجبهة محمد بن عبد العزيز)، إثر ضربة جوية نفذها الجيش المغربي قبل نحو ثلاثة أسابيع. وطالب النواب بضرورة تدخل مدريد، مستندين إلى أن إسبانيا هي التي ما زالت تراقب وتدير أجواء الصحراء الغربية انطلاقًا من جزر الكناري، وأن عملية التصفية تمت عبر طائرات مسيرة (درون).
وفي رده على هذه الانتقادات، أكد الوزير ألباريس بوضوح أن مدريد لم تدنِ ولم تشجب هذه العملية، مشيرًا إلى أن موقفها يتماشى مع مواقف باقي العواصم الكبرى والأمم المتحدة التي التزمت الصمت الصارم حيال الحادثة.
رؤية الخبراء: يرى محللون في شؤون النزاعات أن غياب الإدانة الدولية يعود لطبيعة الوضع الميداني الحالي؛ حيث ألغت جبهة البوليساريو التزامها باتفاق وقف إطلاق النار منذ سنوات، وتشن مناوشات عسكرية ضد الجيش المغربي على طول الجدار الفاصل، فضلًا عن قيامها سابقًا بقصف مدينة السمارة شمال شرق الإقليم، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين.
وفي ظل اعتراف الجبهة بفقدان العديد من عناصرها العسكرية بضربات جوية، أكدت صحيفة “إل باييس” الإسبانية مؤخرًا أن المغرب يمتلك سيادة جوية مطلقة في المنطقة، نجح من خلالها في تحييد وتقليص مخاطر الهجمات العسكرية للبوليساريو.
ملف الجنسية الإسبانية للصحراويين: ألباريس ينفي العرقلة ويضع الشروط
في شق آخر من النقاش، واجهت الحكومة اتهامات من نواب متعاطفين مع جبهة البوليساريو بعرقلة القوانين التي تمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين. ونفى ألباريس هذه الاتهامات جملة وتفصيلًا، مشددًا على أن الموقف الرسمي للحكومة يدعم بوضوح منح الجنسية للصحراويين الذين ولدوا في المنطقة إبان فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية (قبل الانسحاب عام 1975) ، على أن يشمل هذا الحق أبناءهم أيضًا.
ويُنظر إلى هذا الموقف كخطوة “إنصاف تاريخي وقانوني” من جهة، ومحاولة لامتصاص الغضب الداخلي للأحزاب اليسارية الشريكة في الحكم أو الداعمة له من جهة أخرى.
القرار 2797 والحكم الذاتي: بوصلة مدريد لإنهاء النزاع
وفي أوج الجدل البرلماني، حرص رئيس الدبلوماسية الإسبانية على تذكير النواب بالمرجعية الدولية التي تستند إليها بلاده، داعيًا إلى ضرورة دعم مساعي الأمم المتحدة لإنهاء الصراع “حتى لا يستمر لخمسين سنة أخرى”.
وفي هذا السياق، استدل ألباريس بقرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم 2797، معتبرًا أنه يطالب بالدخول في مفاوضات على أرضية مبادرة “الحكم الذاتي” التي تقدم بها المغرب، مشيرًا إلى أن هذا القرار الأممي يزكي ويدعم الموقف الإستراتيجي الذي اتخذته حكومة بيدرو سانشيز برؤية “الحكم الذاتي” كأكثر الأرضيات واقعية ومصداقية لحل النزاع، مع رهن التطبيق الفعلي بمصادقة وقبول جبهة البوليساريو.
خريطة الانقسام السياسي داخل إسبانيا
يأتي هذا النقاش ليعيد إلى الواجهة الإرث التاريخي المعقد لإسبانيا باعتبارها القوة المستعمرة السابقة للمنطقة حتى عام 1975. وتتوزع المواقف السياسية داخل مدريد بناءً على حسابات أيديولوجية وانتخابية واضحة:
| التوجه السياسي في إسبانيا | الموقف من نزاع الصحراء الغربية |
| الحكومة المركزية (بيدرو سانشيز) | تأييد مقترح الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي تحت مظلة الأمم المتحدة. |
| أحزاب اليسار والقومية (سومار، الباسك، كتالونيا) | تعاطف تقليدي مع البوليساريو، ومطالبة مستمرة بـ”تقرير المصير”، ورفض لخط الحكومة. |
ورغم التزام الحكومة برؤيتها الإستراتيجية الجديدة مع الرباط، فإن البرلمان الإسباني سيبقى، على ما يبدو، ساحة مفتوحة لتقديم مبادرات تشريعية معارضة تحاول الضغط باتجاه تغيير البوصلة الدبلوماسية لمدريد، وهو ما يجعل ملف الصحراء أحد أكثر الملفات الخارجية حساسية وتأثيرًا في السلم السياسي الداخلي لإسبانيا.



