الحدثرأي

صداع المطلوبين في باريس: هل بدأت مواجهة ‘زيارة الحسم’ لفك شيفرة الأزمة بين الجزائر وفرنسا؟

تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية واحدة من أعقد جولات التفاوض السياسي والقضائي في تاريخها الحديث. ففي سياق أزمة دبلوماسية متصاعدة منذ أبريل 2025، جاءت زيارة وزير العدل الفرنسي “جيرالد درامانان” إلى الجزائر (17ماي 2026) على رأس وفد قضائي هو الأرفع من نوعه، لتشكل محطة مفصلية واختباراً حقيقياً لمستوى الجدية السياسية بين البلدين.

عمّـــــار قـــردود

هذه الزيارة، التي تعد الخامسة لمسؤول حكومي فرنسي خلال عام واحد، لا تحمل طابعاً بروتوكولياً، بل هي “مواجهة قضائية مفتوحة” تهدف إلى صياغة مخارج لأزمة عميقة، تقع في قلبها ملفات تسليم المطلوبين للقضاء الجزائري.

زيارة “الحسم” القضائي: هل تضحي باريس بـ”المطلوبين” لإنقاذ مصالحها في الجزائر؟

أولاً: دلالة التوقيت وتركيبة الوفد (أبعد من السياسة)

ما يميز هذه الزيارة ويمنحها ثقلاً استثنائياً هو طبيعة الوفد المرافق لدرامانان. فللمرة الأولى، لا يقتصر النقاش على القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل انتقل إلى المواجهة المباشرة بين الأجهزة القضائية (وجهًا لوجه). يضم الوفد الفرنسي أسماء ثقيلة في هيكل العدالة الفرنسي:

-فانيسا بيريه: المدعية العامة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة.
-باسكال براش: المدعي العام الوطني للشؤون المالية.
-لوريلين بيرفيت: مديرة الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل.

هذا الحضور القضائي عالي المستوى يعكس رغبة باريس في إعطاء صبغة تقنية وقانونية للمفاوضات، ومحاولة إيجاد “مخارج قانونية” تسمح لها بتقديم تنازلات دون إظهار الأمر كخضوع لضغط سياسي، خاصة وأن المحادثات تجري مباشرة مع وزير العدل الجزائري “لطفي بوجمعة” قبل العرض على الرئيس “عبد المجيد تبون”.

ثانياً: طاولة المفاوضات.. لائحة المطلوبين الأثقل وزناً

تصر الجزائر على أن بناء الثقة واستعادة دفء العلاقات يمر حتماً عبر تسوية ملف المطلوبين الفارين على الأراضي الفرنسية. وللمرة الأولى، توضع هذه الأسماء في نقاش مباشر وتشمل ثلاث فئات رئيسية:

1. كبار المسؤولين المتهمين بالفساد المالي:

-عبد السلام بوشوارب: وزير الصناعة الأسبق، المحكوم عليه غيابياً في قضايا فساد ضخمة وطائل.


-غالي بلقصير: القائد السابق للدرك الوطني، والمتابع في قضايا استغلال النفوذ والثراء غير المشروع.


2. النشطاء وصناع المحتوى (ملف الأمن القومي):

-أمير بوخرص (“أمير دي زاد”): يمثل أولوية قصوى للمؤسسة الأمنية والقضائية الجزائرية بسبب مضامينه الرقمية التي ترى الجزائر أنها تستهدف الأمن القومي بشكل مباشر.


-هشام عبود: ضابط الاستخبارات السابق والإعلامي المتابع في قضايا أمنية.

3. ملف الانفصال والإرهاب:
نشطاء حركة “ماك” (الحركة من أجل تقرير مصير منطقة القبائل) وعلى رأسهم فرحات مهني، وهي الحركة التي صنفتها الجزائر رسمياً كمنظمة إرهابية منذ ماي 2021.

ثالثاً: المقايضة الحساسة.. قضايا الأفراد ومبدأ المعاملة بالمثل

تتداخل في هذه الزيارة ملفات قضائية فردية ذات أبعاد سيادية بالغة الحساسية، حيث تسعى كل عاصمة لفك عقدة ملف يؤرقها:

-الملف الجزائري الحساس: قضية الموظف الدبلوماسي الجزائري الموقوف في باريس المتهم بـ”التورط في محاولة احتجاز المجرم الارهابي أمير دي زاد”. وترى الجزائر أن القضية “ادعاء مفبرك” وانتهاك صارخ للحصانة الدبلوماسية.

-الملف الفرنسي المقابل: ملف الصحافي الفرنسي “كريستوف غليز” الموقوف في الجزائر، والذي تُطالب باريس بالإفراج عنه أو تسويته كبادرة حسن نية.

رابعاً: آفاق التعاون الجديد والتحول في الموقف الفرنسي

يبشر البيان الصادر عن وزارة العدل الفرنسية بـ”فتح آفاق جديدة”، مستخدماً لغة مرنة تركز على قواسم مشتركة مثل:
-مكافحة الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات.

-مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية العابرة للحدود (استرجاع الأموال والمكاسب غير المشروعة).

هذه اللغة الدبلوماسية، وبحسب قراءات لمراقبين ومحللين إعلاميين (مثل الإعلامي هابت حناشي)، تؤكد وجود تفاهمات وكواليس مسبقة سبقت وصول درامانان إلى الجزائر. المؤشرات تدل على أن باريس قد تكون أجرت “مراجعة أكيدة” لموقفها التقليدي المتصلب برفض التسليم تحت غطاء “حق اللجوء السياسي” أو “حق التعبير”.

خامساً: الاستنتاجات والسيناريوهات المتوقعة

تواجه فرنسا اليوم خياراً استراتيجياً حتمياً؛ فالجزائر وضعت باريس أمام مقاربة واضحة: “الأمن والعدالة مقابل المصالح الاقتصادية والسياسية”.

وبالنظر إلى قيام دول أخرى (مثل إسبانيا، تركيا، واليونان) بتسليم مطلوبين للجزائر في أوقات سابقة، لم يعد لدى باريس هوامش مناورة كبيرة.

السيناريوهات المحتملة:

-السيناريو الأول (التسليم المتدرج): أن تبدأ باريس فعلياً في إجراءات تسليم الشخصيات المتورطة في الفساد المالي (بوشوارب وبلقصير) كخطوة أولى لبناء الثقة، مع تضييق الخناق القانوني على النشطاء السياسيين والإعلاميين لدفعهم لمغادرة الأراضي الفرنسية.

-السيناريو الثاني (المقايضة الشاملة): تسوية ملف الدبلوماسي الجزائري مقابل الصحافي الفرنسي، مع إطلاق مسار قضائي مشترك يفضي إلى محاكمة أو تسليم المطلوبين في قضايا الحق العام والفساد المالي، وتحييد ملف “ماك” ضمن أطر قانونية صارمة تمنع نشاطهم من فرنسا.

إن باريس، في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة في شمال أفريقيا والساحل، ليست مستعدة للاستمرار في خسارة نفوذها ومصالحها الاستراتيجية مع الجزائر من أجل حماية شخصيات ملاحقة قضائياً. لذلك، تُصنف هذه الزيارة كـ “زيارة تنازلات ضرورية” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في العلاقات الثنائية.


التحرير

عاصفة نيوز قناة إلكترونية جزائرية تهتم بالشؤون الوطنية والدولية ...نتحرى الصدق والدقة في المعلومة نهدف إلى تقديم إعلام أفضل شعارنا عاصفة نيوز من أجل إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى