متى يتم تطهير قطاع الاعلام من الرداءة و “البزنسة”؟

بقلم/ الأستاذ محمد صادق مقراني
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أمانةً ثقيلة، والرسالة الإعلامية مسؤوليةً أخلاقية قبل أن تكون مهنة، برزت في الآونة الأخيرة فئة دخيلة على قطاع الصحافة والإعلام، لا تمتّ إلى شرف المهنة بصلة، ولا تحمل من قيمها سوى الاسم.
فبدل أن يكون الصحفي صوت الحقيقة ولسان حال المواطن، تحوّل بعضهم إلى أدوات للابتزاز، ووسائل للتملّق، يسعون وراء المصالح الضيقة على حساب المصداقية والضمير. لقد صار واضحًا أن هذه الفئة لا تملك من المهنية إلا مظهرها، ولا من الرسالة إلا استغلالها. تعتمد على تضخيم الأخبار أو تحريفها، كما حدث في بعض الصفحات التي نشرت أخبارًا كاذبة عن مسؤولين محليين دون أي دليل، فقط من أجل جذب التفاعل وزيادة عدد المتابعين.
وفي حالات أخرى، يتم تداول معلومات غير دقيقة حول قضايا تهم المواطن، دون أي تحقق من مصادرها، مما يخلق بلبلة في الرأي العام. ولم يعد خافيًا على أحد أن بعض المنصات تستغل صفة “الإعلام” للحصول على امتيازات أو لممارسة ضغط غير أخلاقي، بدل الالتزام بدورها الحقيقي في نقل الحقيقة. كم من مواطنٍ تفاجأ بخبرٍ كاذب انتشر بسرعة عبر مواقع التواصل، ليكتشف لاحقًا أنه مجرد إشاعة صاغها من يُفترض أنهم “صحفيون”، دون تحرٍ أو مسؤولية؟ إن هذا الواقع يسيء إلى صورة الصحافة ويضرب ثقة المواطن في الإعلام.
والأخطر من ذلك، أنه يفتح الباب أمام فقدان الثقة في كل ما يُنشر، فيختلط الصادق بالمغلوط، ويضيع صوت الحق وسط ضجيج المصالح. فكيف يمكن للمواطن أن يثق في الإعلام، وهو يرى يوميًا أخبارًا متناقضة، بعضها يُنشر دون مصدر، وبعضها يُحذف دون أي توضيح؟ ساعات قايلة تفصلنا عن اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يوافق 3ماي من كل سنة حيث يُفترض أن يكون مناسبة لتكريم الكلمة الحرة وتعزيز أخلاقيات المهنة، نجد أنفسنا أمام ضرورة ملحّة لإعادة الاعتبار لهذا القطاع الحيوي.
فحرية الصحافة لا تعني الفوضى، ولا تبرر الانحراف عن القيم، بل تقتضي التزامًا أعمق بالحقيقة، ونزاهةً أعلى في نقل الواقع. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الاتصال، لاتخاذ خطوات جريئة وحاسمة لتطهير القطاع من هذه الممارسات الدخيلة. فتنظيم المهنة، ووضع معايير صارمة للممارسة الإعلامية، ومحاسبة كل من يسيء إليها، لم يعد خيارًا بل ضرورة لحماية مصداقية الإعلام وصون كرامة الصحفيين الحقيقيين.
ومن خلال متابعتي لما يُنشر في بعض الوسائل، لاحظت أن السبق الصحفي أصبح عند البعض أهم من دقة الخبر، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول مستقبل هذه المهنة النبيلة. كما أن هذا الظرف يستدعي دعم الكفاءات النزيهة، وتمكين الصحفيين الذين يؤمنون برسالتهم، ويعملون بضمير حيّ، بعيدًا عن أي ضغوط أو إغراءات. فالصحافة النبيلة لا تُبنى إلا برجال ونساء يؤمنون بأن الكلمة مسؤولية، وأن الحقيقة لا تُشترى ولا تُباع. إن تطهير القطاع الإعلامي ليس مجرد مطلب مهني، بل هو واجب وطني، لأن الإعلام النزيه هو أحد أعمدة بناء الوعي المجتمعي، وحصن منيع ضد الفساد والتضليل. وكل تأخير في معالجة هذه الظواهر لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وفقدان المزيد من الثقة.
وفي هذه المناسبة الرمزية، نجدد الأمل في أن تكون هناك إرادة حقيقية للإصلاح، وأن تستعيد الصحافة مكانتها كسلطة رابعة حقيقية، تقف إلى جانب المواطن، وتدافع عن الحق، وتكون مرآة صادقة لنبض المجتمع. اليوم لا يحتاج فقط إلى قوانين، بل إلى ضمائر حية ترفض أن تكون الكلمة سلعة. فإما أن نستعيد ثقة المواطن، أو نترك المجال للفوضى أن تتكلم باسم الإعلام.




