الدكتور عبد البر الصياد يكتب..عندمايبتلع البحر قرص الشمس

يقول إنسان يتألم:
أشعر بالانقباض حين تغيب الشمس …………. لعل هذا الاحساس يرجع إلى طفولتي حين كنت أشاهد قرص الشمس ….. يهبط في البحر تدريجياً حتى يختفى…… فأظن غرقت ولن تعود ثانيه.. يصبغ الاكتئاب مشاعرى حين يسيطر الضباب على السماء ….. فيكتسى الوجود بلون قائم غير محدد……… هذا اللون يجعل الأشياء تبدو غريبه في عيني……… وهكذا تفعل معى شبوره “صباح الشتاء”
أقلق من كل شيء يحجب النور………. فأنا أحب أن أراه حقيقيا……. أن يظل إدراكى له ………. ثابتا؛ فذلك يبعث الطمأنينه إلى نفس……… فالحقيقه والنور
متلازمان ……… والمعنى هنا هو الصدق …….. صدق ما ترى وما تسمع صدق الناس والأشياء……… وما أسوأ أن يكذب عليك إنسان ………… وما أفظع أن يكذب عليك عالمك الذي تعيش فيه ……. عالمك الذي تعيش فيه ……… عالمك الذي اعتدته وألفته الثابت المستقر الذي ارتبط بسنوات عمرك……… ارتبط بعواطفك
وأفكارك ………. ماذا يحدث لو وجدته مختلفا ؟ ماذا يحدث لو اختفى وراء لون آخر ليوحي لك أنه ليس عالمك الذي تعرفه ماذا يحدث لو أصبح ينقل إليك معنى
مختلفا ؟
ألن تشعر حينئذ بالخوف والرهبه ؟
هذه هي حالتي.. كيف أصفها وبماذا أسميها ؟ الاشياء تبدو أمامى غير حقيقيه. الناس والاماكن تغيير والكلمات……….. والمعاني والأفكار والمشاعر.. ما شمل كل عالمي……… كأني جديد عليه أو كأنه جديد
أحس كأني ملفوظ ……. مطرود………. غريب إنظر إلى يا صديقي……… صديق عمري …… فأندهش له من هذا الإنسان؟ انه صديقي………. ماذا تعنى كلمة صديقى ….. تعنى الحب وعشرة العمر…….. شيء غريب …… هذا الشخص بيني وبينه حب !!!!! هذا الشخص أعرفه من قبل !!!!!!
من قال هذا …..؟
عيناي يؤكدان……. ذاكرتي تسعفني بكل لحظات عمري معه لا .. لا .. إن هذا غير حقيقي…… هو يبدو غريبا عنى الآن….. يجلس أمامى وأشعر أنه بعيدا جيدا………
آلاف من الأميال تفصل بيننا ….. حتى صوته يبدو وكأنه ….. قادم من بعيد….. صوته له وقع غريب على أدنى …….. صورته أراها أمامي وقد غشاها الضباب ……… إنه يحدثني بود……….. ولكني أندهش لهذا الود…… يحدثنى في موضوع يخص كلينا ويثبت ارتباطنا
ولكني أندهش الكلماته……. أعرف عم يتحدث…… ولكني أندهش للموضوع ذاته……. أشعر كأنه يتحدث عن أشياء غريبه. أشياء غامضه….. ومأساتي لم تتوقف….. عند حد صديقي……. نفس المشكله أشعر بها مع زملائى الذين ….. أراهم كل يوم من عشر سنوات …….. والاماكن أيضا……. هذا الشارع أعبره منذ طفولتي…… هو جزء منى جزء من تفكيري ووجداني فأنا أحب الاماكن مثل حبى للإنسان….. أشعر بالالفه معها واصادقها……. ولذا أستطيع أن أعبر فيها وأنا مغمض العينين.
اليوم أرى شارعي غريبا عنى……….
أندهش له .
أن أندهش لفكرة أنني ولدت وعشت فيه …… يبدو لي أننى اعبر فيه لأول مره في حياتي……. هل هذا معقول ……
إنني أدرك الآن أنني أعرف كل شيء فيه…… ورغم ذلك فإنه يبدو غريبا واندهش لوجودي فيه ……. البيت……… الشارع ……. الصديق…….. الحبيب… كل شيء….
كل شيء يبدو غير حقيقي…….
أضغط على رأسي…… اهزه أشعر بعجز……… عيناي وأذناي لا تسعفانن……… یداى أريد أن ألصقهما بأي شيء لاحسه …….
ولكنهما عاجزنا الاحساس ……. ليس لعيب في عينى وأذني ويدي………. ولكن لأن الناس والاشياء تبدو مختلفه فعلا تقطعت أوصالي بكل شيء نزلت البئر وأنا مطئن فخذلوني
وقطعوا الحبل……
فصرت وحيدا أنادى وما من مجيب.. أصواتهم أسمعها كضحكات هازئه متشفيه……… الآن أدركت وبعمق إحساسي…..
سيدنا يوسف حين تعرض لغدر أشتقائه ……. لعله أصيب وقتها تلك الحاله التي تكاد تفتك بقلبي وعقلي….. لعله شعر وقتها بالاندهاش الذي قاده إلى الألم والحزن….. لعله
حين هوى في البئر شعر بالاغتراب عن هذا العالم……. كل شيء أمامه بدا غريبا معتما……..
ظلام بئره كضباب سمائى الذى جعل كل شيء يبدو لعينى غريبا مختلفا.
أنه نفس الاحساس الذي يداهمك حين تنتقل إلى بلد بعيد لا تعرف ناسه ولا تعرف لغتهم..
وهذا معناه أنه لا توجد عاطفه بينك وبينهم…… تلك العاطفه ….
التي تتشكل بحوار العقل والقلب.
تلك العاطفه التي تجسد احتياجك لهم……..
واحتياجهم لك………
تلك العاطفه التي تنشأ بالعشره لتخلق الالفه…… والالفه هي الحب والأمان ……….. والالفه هي رصيد العمر….. لا تستطيع أن تخطو أولى خطوات يومك بدونها الآن ادركت معنى أن يقول إنسان…. ان سنين عمره مضت بلا معنى……. انه يعنى أنه عاش غريبا إنه حرم من الإقتراب والتواصل……… إنه عاش شتاء دائما فأحاط به الصقيع ……. صقيع الفكر وصقيع الوجدان…. أنا أحبك معناها أننى حين أنظر إلى عينيك أرى سنين عمري معك ……. أشعر أن تلاقى عينيننا في هذه اللحظه هو تكثيف لكل لحظات عمرنا الذي عشناه معا……. ونحن نمضى في الشارع تلتقى عيوننا بالعشرات من الاعين …… نراهم ويروننا….. وننساهم في اللحظه التاليه….. إنها العيون الغريبه التي لا تحمل أي رصيد من خبرات سابقه مشتركه……. أنا احبك معناها أن كلماتك التي تتحرك بها شفتاك تبعث الحركه في تفكيري ووجداني فأشعر بأنني حي، وأن حياتي لها معنى لأن كلماتك تستمد معناها من قاموس اشتراكنا في وضعه ويحوى رموزا توصلنا إلى معناها خلال سنوات….
عمرنا المشترك …….
أنا الآن أرى وأسمع ولكني لا أفهم………
فلا شيء يربطني بمن اراهم وكلماتهم غريبه على أذني
رغم أننى أسمعها…….
لله
بوضوح أفتقدت الالفه مع الناس والأشياء ……. ولهذا فإنني أشعر بالخوف…….. أشعر بالخطر يتهددنى من كل جانب….. أنا خائف يا طبيب # فهل أجد عندك المساعده؟
يقول الطبيب
واقعنا يا إنسان لا تدركه، كما قد نظن – يعينيك وأذنيك
وأصابعك عالمك تدركه بقلبك ….. بمشاعرك …….. إنها العاطفة التي تنشأ بينك وبين كل ما يحيط بك من بشر ونيات وحيوان وجماد……… انت لا تستطيع أن تعيش في
حالة حياد عاطفى مع الوجود من حولك…….. الحياد الفكرى ممكن الى حدود ….. ولكن الحياد الوجداني مستحيل..
نعم مستحيل …. هذا الواقع يتشكل في مخك من خلال حواسك ……. بعد ذلك ينتهى دور حواسك وتصبح مشدودا لهذا الواقع بوجدانك…… حبال متينه… نسيجها من المشاعر….. وتتحرك وتجرى وتطير… وهذه الحبال موصوله …… فهي التي تساعدك على الحركة…..
فإذا انقطعت أحسست بالضياع ….. أحسست بالاغتراب الذي يخلق الخوف……. كالطفل حين يفقد امه وسط الزحام…
ما أسواه من إحساس…… تصبح كل الكلمات جوفاء…. بلا معنى….. تصبح اللمسات بارده بلا احساس تفقد حاسة الشم والتذوق…… تبحث عن يد تشعر بدفئها يد
توصل لك الاحساس بالاعتراف…… تشعر بعطش الأرض الجدباء للمطر……..
من المشاعر…… وتتحرك وتجرى وتطير… وهذه الحبال موصوله …… فهي التي تساعدك على الحركة…… فإذا انقطعت أحسست بالضياع….. أحسست بالاغتراب الذي يخلق الخوف……. كالطفل حين يفقد امه وسط
الزحام… ما أسوأه من إحساس …… تصبح كل الكلمات جوفاء… بلا معنى….. تصبح اللمسات بارده بلا احساس تفقد حاسة الشم والتذوق…… تبحث عن يد تشعر بدفئها يد توصل لك الاحساس بالاعتراف…….. تشعر بعطش الأرض الجدباء للمطر…….. أنه العطش الاحساس الالفه الذي افتقدته…… تظن أن كل من حولك ينكرك ….. يدفعك بعيدا عنه فتفقد إحساسك بالانتماء…….. وهنا يتأكد أخطر وأهم الأحاسيس في حياة الانسان ….. الاحساس بالانتماء وهنا يتأكد أخطر وأهم الأحاسيس في حياة الإنسان…… الإحساس بالانتماء…… الانتماء إلى نسيج الكون….. الاحساس بأنك متلاحم مع كل شيء من حولك…. متلاحم مع صديق وحبيب ….. متلاحم مع المكان والزمان….. ما اتعس الإنسان إذا كان وحده …… وما أقسى الطلاق بينه وبين العالم……. لا حياة للإنسان بدون قلبه * أنه الضباب الذي يحجب نور السماء .
وهو البحر الذي يبتلع قرص الشمس
هو البحر الذي يبتلع قرص الشمس

