الدكتور عبد البر الصياد يكتب “غاية العالم”….

*يبدأ سؤالنا هل للعالم غايه يجد للوصول إليها؟
وهل له خطه مرسومه يسعى إلى نهايتها،ويتجه نحوها دائما مهما عاقته من عوائق؟
أسئلة دارت وتدور فى ذهن المفكرين قديما وحديثا.
أما إبن الشبل البغدادي فحار فى الأمر، ولم يستطع الجواب، وقال فى حيرته قصيدته الرائعه:
بربك أيها الفلك المدار
أقصد ذا السير ان إضطرار.
مدارك قل لنا في أى شىء؟
ففى افهامنا منك إنبهار
إلى آخر هذه القصيده المفعمه حيرة وإرتباكا، وشكا وإمتعاضا.
وحار حيرته كذلك أبو العلا المعرى، فقال:
نفارق العيش لم نظفر بمعرفة
أى المعاني بأهل الأرض مقصود؟
لم تعطنا العلم أخبار يجى بها
نقل ولا كوكب فى الأرض مرصود.
وقال:
أما اليقين فلا يقين وإنما اقصى إجتهادى أن اظن واحدسا.
إلى آخر ما قال فى الحيره، وما أكثر ما قال!
ولندع الشعراء المتفلسفين ولننظر فى آراء الفلاسفه المتعمقين، فنرى انهم تساءلوا من قديم هذه الأسئله، واجابوا عنها إجابات متناقضه ،فأما ارسطو فآمن بأن العالم يسير إلى غايه، وأن الغايه هى تحقيق العقل، هذا العقل ظهر ضعيفا كالعدم فى النبات، وظهر أرقى من ذلك فى الحيوان، وظهر أرقى من الحيوان فى الانسان، وهذا العقل لم يكن شأنه كبيرا فى الإنسان البدائى، ثم نما شيئا فشيئا، وكلما تقدم الزمان ظهر سلطان العقل، وإحتكم الإنسان إلى العقل وسيظل يرقى ويرقى متجها إلى العقل الكامل، ولن يبلغ هذه الغايه، ولكنه سيسير دائما إليها، ويتجه دائما نحوها. وانما عد الإنسان أرقى من الحيوان لأنه أعقل، وعدت أمه ارقى من أمه لأنها أعقل، والعالم يسير دائما إلى تحقيق العقل رغم ما يعوقه من عوائق.
وترك آخرون رأى أرسطو، فرأوا أن العالم ليس إلا مخلوقا أخرق، وأنه يسير تارة إلى الأمام وتاره إلى الخلف، وتارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار وليس له هدف يرمى إليه بل هو يسير كما شاءت المصادفه وكما شاء له الهوى، وهو مجنون لا تعلل اعماله، انظر إلى الإنسان سيد العالم- كما يزعمون-فى حروبه، انظره فى ملاجىء عجزته، وانظره فى فقر فقرائه، وبؤس بؤسائه ومستشفى مرضاه وسجون مجرميه وانظر ما يحدث في العالم كل لحظه من الكوارث، وفظائع الحوادث، وحتى السعاده التى فيه ربطت الجهل وهربت بالعقل، وحياة الناس مهازل تنتهى بالموت كما تنتهى الروايه بإسدال الستار، فليس صحيحا ان”ليس فى الإمكان ابدع مما كان ” وإنما الصحيح أن ليس في الامكان اسوأ مما كان، ولو أطلقت ثورا فى مستودع خزف، أو مجنونا يحمل مشعلا فى مخزن نسيج ، ما صنعا ما يصنع العالم.
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم من امره ما عنانا.
وتولوا بغصة كلهم منه
وإن سر بعضهم أحيانا.
وليست مظاهر التقدم إلا خداعا، وليس الفرق بين ما نسميه امة متمدنه وغير متمدنه إلا كالفرق بين المرأه في طبيعتها والمرأه فى زينتها، وسيترك كل جيل من الناس الدنيا كما دخلوها بشرورها وبؤسها، وليست الحضاره والبداوه إلا طلاء ظاهرا لغرائز متشابهه.
ولكن هؤلاء المتشائمين قد أصيبوا بعمى اللون ، فلم يروا في العالم إلا لوناً واحداً هو لون السواد ، ولم يروا مادة لأدبهم إلا نعيق البوم ، وسواد الغراب ، وحلكة الظلام ؛ ولم يقوموا فى الحياة إلا المآسى ، ولم يسمعوا من النغمات إلا المحزن ، ولم ينظروا فى الحياة إلا إلى سطحها ، لا إلى عمقها ، وشغفوا
بالأحداث الجزئية ، لا النظريات الكلية . إن نظرة شاملة لحركات العالم واتجاهاته تدل على أنه سائر لغاية ، وأن له روحاً وإرادة وعقلا لا يقاس بها ما للفرد ، وأنه يعمل في دأب وجد واستمرار لبلوغ غايته ، وأنه كالفرد له أعمال لا شعورية يدعو إليها العقل الباطن ، وأعمال شعورية يدعو إليها الفكر ؛ وله أعمال تدعو إليها الفطرة والغريزة ؛ وأعمال تأملية ؛ وله أعمال ظاهرة وأعمال خفية ، وكلها تقرب إلى الغرض ، والعالم يسير إلى الأمام في ثبات واستمرار ، قد تتخلف بعض أجزائه ، وقد تتعطل بعض خلاياه ، ولكنه في جملته يسير قدماً ، لا يعبأ بما تخلف من جزئياته ، كالجيش الظافر لا يعوقه موت بعض جنوده ، ولا عطل فى بعض آلاته ، ولا تخلف من يصيبه الإعياء ، بل هو بالغ غايته على الرغم من كل ذلك ، هكذا كان تاريخ الإنسانية فقد ترقى أمة ثم تتخلف ثم تموت ، ولكن لا تموت حتى يتسلم منها مجدها قوم آخرون يخطون بالعالم خطوة جديدة ، ويحققون روح العالم العامة التي تدفع إلى الأمام ولا تريد إلا الأمام ، والتي تعد الوسائل لذلك دائما من أخلاق قوية ، وأبطال أقوياء ، ونوابغ أفذاذ ، وتاريخ الإنسانية من مبدئها إلى الآن ليس إلا
مراحل للتقدم إلى الأمام فى نواحى الحياة المختلفة من شعور وحرية وتفكير : ولا يمنع الناس من إدراك هذا إلا قصر نظرهم على جزئيات العالم كأمة بعينها أن أو قطر بعينه . أما إن نظروا إلى العالم من حيث هو وحدة ، فهناك تتجلى علائم التقدم بأجلى مظاهرها ؛ فالعالم بناء شامخ شهدت طبقاته في أجيال ، أو قصيدة
واحدة نظمت أبياتها على تعاقب الأزمان ، أو رواية محكمة يؤلف كل جيل منها فصلا ، ثم لم تتم فصولها ، ولم توضع خاتمتها . هو سائر إلى الأمام في كل مظهر من مظاهره ، في فنه الدال على شعوره ، وفى دينه الدال على روحه ، وفى علمه الدال
على عقله
بنى العالم على ثلاث قواعد : حفظ الذات وحفظ النوع وتحسين النوع ، هذه هي الأوراق الثلاث التي يلعب بها العالم لعباته المختلفة في كل تصرفاته التي لا نهاية لها ، وكل شىء فى العالم من الحشرة الدنيئة إلى أرقى أنواع الإنسان يسعى إلى تحقيق وجوده الذاتى ووجوده النوعى ، والعالم كله في جملته يتسامى لتحقيق غايته ؛ وقد اتخذت الطبيعة لتحقيق ذلك كل الوسائل الممكنة من تحريك الغرائز المختلفة ، والانفعالات المتباينة ، والعواطف المتناقضة . ومحن لو بحثناها على شدة ما بينها من اختلاف لوجدناها كلها ترجع إلى هذه العناصر الثلاثة : تلعب الغرائز والانفعالات والعواطف كل الاعيبها في النبات والحيوان والإنسان لحفظ الذات وحفظ النوع ، وتلعب فى الإنسان ألاعيبها كذلك للسمو به ، فسعى النبات وراء قوته وتجهيزه بالآلات العجيبة للحصول على غذائه ، وتكثير بذوره ، وسلوك الحيوان في شهواته وعواطفه ، والإنسان فى كل تصرفاته وعواطف حبه وعزله ، وعواطف أبوته وأمومته وأفانينه -. كل ذلك يفسر في النهاية حفظ الذات وحفظ النوع . قانون الطبيعة فى ذلك قانون ثابت لا يتخلف ، ولا يمكن أن يصدر ذلك إذا لم يكن للعالم غاية . ولا تتورع الطبيعة أن تخدع المخلوقات بكل صور الخداع لتعمل وفق ما ترسم ؛ فهذا الإنسان – وهو أرق أنواع المخلوقات – يخدع بكل أنواع الخداع لتحقيق غرض الطبيعة . إن شئت مثلا واحداً مطالع فصول غرامه وغزله وهيامه ، وكل فصول حياته الزوجية . وكل أدب وفن نسائى ، لترى كيف تلعب الطبيعة بالإنسان لحفظ النوع . وكل
ما وضع من مبادئ أخلاقية ، وقواعد قانونية ، إنما دفعت إليه الطبيعة الخدمة
هذه العناصر الثلاثة وللمحافظة عليها وشأن العالم شأن شجرة الورد . فكما أن آلاف الأعمال تعملها بذرة الورد من نغذ ونمو واستنشاق وتعرض للضوء ونحو ذلك الغرض واحد هو إنتاج زهرة الورد ، فكذلك العالم يعمل كله – كوحدة – ملايين الأعمال من محافظة على
الأفراد والنوع للوصول إلى غاية ، وهي السمو وتحسين النوع والطبيعة لا تعبأ بالتضحيات الكثيرة للوصول إلى هذا الغرض ، فكم من بذور النبات يهلك ليحيا أحسنه ، وكم من ملايين الحيوان والإنسان تصادفه العقبات في سبيل حياته وبقائه ، ولا يبقى إلا أصلحه ؛ وهذه الأحياء كلها تتمخض عن عدد قليل من النوابغ الأفذاذ ، هم قادة العالم في مرافقه المختلفة يقودونه إلى الأمام دائما .
قد يحدث في العالم كوارث فى منتهى الفظاعة ، كما تثور البراكين ، وكما تزلزل الأرض ، وكما تقوم الحروب الهائلة بين بني الإنسان ، فيفنى في ذلك العدد الكثير ، ولكن سرعان ما يسترد العالم كيانه ، ويبدأ سيره وتقدمه ، ويتجلى له أن هذه الكوارث ليست إلا إرهاصا ببناء جديد على أنقاض قديم ، وأن هذه الكوارث الإنسانية ليست إلا نتيجة لتعفن النظم الحاضرة ، وبناء نظم أرق لإنتاج إنسان أسمى . وما العلم والنظم والحكومات إلا أدوات الرقى للإنسان ومظاهر لحالته الاجتماعية ؛ يرقى فيرقيها، وترقى فترقيه . ومذهب الطبيعة أن لا بأس بهلاك الكثير لتحسين القليل ، شأنها في ذلك شأنها في تدفق ماء الرجل يحمل ملايين من الأحياء لا يعيش إلا واحد منها هو أصلحها للبقاء . وكل يوم يكتشف الإنسان وسائل للسمو به ، ولكن قد يجربها فتفنى العديد منها ، حتى يضبط نفعها ، ويستطيع التغلب على ضررها . وكما يحدث في
تاريخ الإنسانية عوائق تعوق سيره ، يحدث كذلك ما يعوضها من وثبات وقفزات يظفر بها إلى الأمام . كم ألوف من الناس قد ذهبوا ضحية العلم والمخترعات الحديثة ، ولكن ما كسبته الإنسانية – ككل – وما أفاده العالم . كو حدة – أعظم جدا مما خسره . قد يتخلف الجنود الضعفاء في سير الجيش ، وقد يموت كثير من أفراد الجيش الزاحف ، وقد يموت بعض الوحدات القوية الصالحة ، ولكن إذا فتح الجيش المدينة المنشودة فلا بأس بمن فقد . كم فقد العالم من مستكشفين ! وكم فقد العالم من رواد البر والبحر ! وكم فقد من طائرين وطيارات ! وكم فقد من المجربين فى الكهرباء ؛ ولكن ما كانت نتيجة ذلك كله ؟ كانت نتيجته أن العالم تقارب نوعاما وأصبح وحدة ما ، وسيسير في سبيله للتغلب على العقبات غير عابئ بالضحايا حتى يقرب من الغرض ؛ بل هو كذلك يضحى العدد الكثير من عامة الأفراد ليصل إلى إنتاج العدد القليل من النوابغ الأعداد. ربما صعب على المفكر أن يرى تقدم العالم إذا نظر إلى أمة واحدة ، أو قارن
بين العالم اليوم والعالم منذ سنة أو سنتين أو عشر ، ولكن ليطل الزمن قليلا . ولينظر إليه نظرة شاملة ، وليقارن بين العالم فى قرن والعالم في قرن قبله والعالم في قرون سابقة ، يرى أنه يسير إلى الأمام دائما وأنه على حد تعبير أرسطو يسير نحو تحقيق العقل ، فللعلم الآن مكانته العظمى، وسيعارته القوية ، والعلم هو مظهر العقل : وأعنى بالعلم معناه الواسع، وهو العلم بقوانين العالم والإيمان بها ، والسير على مقتضاها . ونحن إذا نظرنا إلى الماضي البعيد السحيق في البعد اغتبطنا التقدم العالم هذا التقدم ، ولكن إذا نظرنا إلى المستقبل البعيد السحيق في البعد أدركنة أن العالم لا يزال في طفولته ، ولكنه سائر حتما إلى شبابه .
إن العالم له قلب ينبض ، وله عقل مفكر ، وله شعور بذاتيته ، وله شعور
وحدته ، وليست أجزاؤه إلا خلايا كخلايا الشجرة الضخمة ، ولخلاياه وظائف
متنوعة تعمل لغاية فى الثمرة ، وكل ضروب أفعاله منسجمة متعاونة متوائمة ؟ كان كذلك في القديم ، وهو كذلك فى الحديث ، وسيكون كذلك في المستقبل. لم يسر يوماً وفقاً لغرائز حفظ الذات وحفظ النوع ويوماً على عكس ذلك ؛ ولم يتقهقر الإنسان يوماً فيرجع إلى حالته الأولى بعدما خطا خطوات في تقدمه ، ولم
يكن في أمسه أعقل منه في غده .
أفبعد هذا ينكر منكر أن له غاية ، ويدعى مدع أنه يخبط خبط عشواء ؟ قد علمنا التاريخ أن العالم حين يقدم على خطوة جديدة ، وحين يتمخض الولادة جديدة ، تقوم زوابع كثيرة تقلب الأوضاع وتكسر ما يعترضها ، ثم ينزل الغيث وتهدأ الزوابع ويلطف الجو . وأظن أن الحرب الحاضرة شأنها شأن التوابع الماضية ، ليست إلا علامة على أن العالم يتمخض للولادة ، وأنه يريد أن يتخلص من بعفر شرور الماضى ليضع أسساً جديدة لمستقبل أسمى . ومما يؤسف له أن العالم في الحاضر والماضى ليس لديه إلا هذه الوسيلة للإصلاح، لا يستطيع أن يبنى بناء جديداً إلا بعد هدم القديم، وإلا كان العمل ترميما لا تجديداً .

