الدكتور عبد البر الصياد يكتب”لغز الالغاز”

لغز الالغاز
تأملات فى ماهية الزمان ومكان المكان
تجربه شخصيه
إن دقات ساعة الحائط تقدم لنا زمنا مزيفا إبحث عن زمنك الحقيقى فى دقات قلبك ونبض إحساسك كل شىء فى الدنيا يجرى ويلهث
الشمس تشرق وتغرب………و
النجوم تدور فى أفلاكها…….و
الارض تدور حول نفسها…….و
الرياح تهب فى الجهات الاربع……..و
السيول تنهمر من أعلى الجبال……….و
النبات والحيوان والإنسان كلها تعيش فى حركه دائبه وذرات الجماد تهرول فى مداراتها.
وظاهرات الطبيعه كلها عباره عن حركه. الكهرباء حركه والصوت حركه والضوء حركه والحراره حركه والكون كله يتمدد مثل فقاعه من الصابون وينفجر فى كل قطر من الفضاء..
الماده فى حالة إنتشار وذبذبه وحركه ولهذا يقول أينشتين “إن لها بعد غير الأبعاد الثلاثه المعروفه “
أو الزمن الملتصق بالمكان ويسميه الزمكان الماده مثل حيوان له طول وعرض وسمك وعمر.
والعمر يدخل في تركيبها كما يدخل فى تركيب الحيوان.
الزمن إحدى الفتلات التى يتألف منها نسيج الماده وهو أيضا إحدى الفتلات التى يتألف منها نسيج الكائن الحى.
ولكن ما الزمن
هل هو دقات ساعة الجامعه…..والنتيجه المعلقه بالحائط والتقويم الفلكى بالفصول والأيام.
*إننا مازلنا نذكر المراقب ونحن نؤدى الامتحان فى آخر كل سنه باقى على الزمن نصف ساعة.
كأنه ينطق حكما بالإعدام أو حكما بالأفراج.
*كأن النصف ساعه عند بعضنا قصير جدا أقصر من نصف دقيقه لأن ورقه الإجابه مازالت بيضاء أمامه ولانه مازال يبحث ويهرش فى رأسه.
*وكان عند بعضنا الآخر طويلا مملا أطول من نصف اليوم……….
لأنه قد انتهى من الاجابه…..
كانت الساعه فى يد المراقب تشير إلى زمن واحد ولكن كل منا له زمن خاص به.
كأن معيار الدقائق عند كل منا يختلف عن الآخر وهذا هو مفتاح اللغز.
*إن الزمن ليس شيئا منعزلا عنا مثل الشجره والمحبره والكتاب ليس زمبلكا تحتويه ساعة اليد ولكنه شىء يلابسنا.
لكل منا زمن خاص به
عواطفنا وإهتماماتنا هى الساعه الحقيقيه التى تضبط الزمن وتطيله أو تقصره.
أفراحنا تجعل ساعاتنا لحظات
وآلامنا تجعل لحظاتنا طويله مريره ثقيله مثل السنين وأطول
إحساسنا بالسرعه والبطىء ليس مصدره ساعه الحائط ولكن مصدره الحقيقى الشعور فى داخلنا إن ساعة الحائط تقدم لنا زمنا مزيفا ومثلها التقويم الفلكى الذى يقسم حياتنا إلى ايام وشهور وفصول.
والتاريخ الذى يقسم أعمارنا إلى ماضى وحاضر ومستقبل لأن حياتنا غير قابله للقسمه ولأن الزمن فى داخلنا غير قابل للقسمه أيضا إن حياتنا لحظه طويله مستمره ويصاحبها إحساس مستمر بالحضور ونحن نتعرف على الماضي من خلال الحاضر فحينما نعيش فى إحساس بالتوقع نسميه مستقبلا ولكن كل هذه الاحساسات هى حاضر والفواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل فواصل وهميه لأن اللحظات الثلاث تتداخل بعضها البعض كما يتداخل الليل والنهار عن الافق والذى يقوم بتعيين اللحظه فى الشعور هو.
الانتباه
الانتباه هو الذي يضع خطا تحت بعض مشاعرنا وإحساساتنا فيخيل لنا أننا وقفنا لحظه والحقيقه أنه لا وقوف أبدا وإنما نحن نعيش فى حالة تدفق داخلى مستمر أبدا ودائما والزمن الخارجى………..زمن الساعات والمنبهات زمن كاذب خداع لانه لا يساوى بين اللحظات ويجعلها مجرد أرقام على المينا.
الساعه واحده الساعه إتنين الساعه الثالثه مجرد حركه من العقرب وإنتقال بضعة سنتيمترات أنه ليس زمانا ولكنه أوضاع مختلفه فى المكان أما الزمن الحقيقى فهو داخلنا وهو إضطراب دائم لا تتساوى فيه لحظه بأخرى لحظه صغيره ولحظه كبيره ولحظه تافهه….
وهو غير قابل للتكرار……لأن كل لحظه تحتوى على الماضي كله ومعه علاوه من الحاضر وفى كل لحظه تضاف علاوه جديده من التجربه والحياه فلا تعود الحياه قابله لأى تكرار وإنما هى الرؤيه……
بينما يحتاج الذى يشاهدنا من الخارج إذ يرى حركات زراعنا بعينيه ويتبعها ويحللها بعقله ليقول أننا نحرك زراعنا إلى فوق ومعرفتنا أرقى من معرفته لأننا نعاين الحقيقه مباشرة وبهذه المعرفه إكتشفنا الزمن زماننا الحقيقى.
ولكننا لا نعيش حياتنا كلها فى الزمن الحقيقى لأننا لا نعيش فى نفوسنا طول الوقت ولكننا نعيش فى مجتمع نخرج ونتبادل ونختلط بالناس ونتبادل المنفعه ونتعامل ونتكلم ونأخذ ونعطى.
ولهذا لا نجد مفرا من الخضوع للزمن الآخر. زمن الساعات فنتقيد بالمواعيد ونرتبط بالامكنه.
ونبحث عن الأشياء المشتركه بيننا لنتفاهم وفى أثناء بحثنا عن الأشياء المشتركه تضيع منا الأشياء الاصليه.
العرف والتقاليد والأفكار الجاهزه تطمس الأشياء المبتكره فينا وتطمس الذات العميقه التى تحتوى على سرنا وحقيقتنا.
ونمضى فى زحام الناس وقد لبسنا لهم نفسا مستعاره من التقاليد والعادات لنعجبهم.
وتتكون عندنا بمضى الزمن ذات إجتماعيه تعيش بأفكار جاهزه وعادات وراثيه ورغبات عامه لا شخصيه.
وهذه هى الذات سطحية ثرثاره تقضى وقتها فى التعازى والتهانى والمجاملات والمعايدات والسخافات وتنفق حياتها فى علاقات سطحيه تشبه المواصلات الماديه التى توصل من الباب إلى الباب ولا توصل من القلب إلى القلب وهذه الذات التافهه هى غير الذات العميقه.
التى نغوص إليها فى ساعات وحدتنا ونكتشف فيها أنفسنا ونتعرف على وجوهنا الحقيقيه إنها ذات جامده مثل الجسد تحكمها الغرائز والضرورات الاجتماعيه وهى تشبه المرحاض النفسانى نفرز فيه كسلنا وضيقنا ومللنا ونقتل فيه وقتنا بإنشغالات رخيصه تافهه مثل قزقزة اللب ولعب الطاوله والمجالسه فى المقاهى وغيرها ونحن نتأرجح فى حياتنا بين هذه الذات السطحيه وبين الذات العميقه تهبط مره ونعلو مره نعيش في لحظات قليله متألقه فى داخلنا فى زماننا الحقيقى الجياش فنهتز بالنشوه ونشرف بالسعاده ونرتجف بالقلق ونمتلئ بالفضول واللذه ونعرف نفوسنا على حقيقتها وبكارتها ونحن نكتشف هذه النفوس البكر فى مغامرات قليله.
نكتشفها لأول مره فى مغامرات الحب بينما نعثر على المرأه التى تهز وجودنا وتخترقنا وتخترق عاداتنا وتفكيرنا وحياتنا وتقلبها رأسا على عقب فتبدو كأنها حياه جديده عجيبه ونكتشفها لثانى مره فى مغامرة الفن فى لحظة الإلهام الذى ينفتح فيها شعورنا على إدراك جديد وتصوير جديد للدنيا فنكتب أو نغنى او نرسم أو نقول شعرا ونكتشفها لثالث مره فى مغامرة التأمل وفى الشعور العميق بالتدين فى لحظة الجلاء الفكرى والصوفى التى تضع فيها على حقيقة جديده فينا أو فى الناس حولنا أو فى الدنيا ونكتشفها لرابع مره فى العمل وفى لحظة الاختراع التى نعثر فيها على سر من أسرار الطبيعه يبهرنا ويدهشنا ويصدمنا كل هذه الاكتشافات تخرجنا من الزمن المبتذل المتكرر زمن الساعات وتنزل بنا إلى اعماقنا إلى زماننا الحقيقى حيث كل شىء جديد ومبتكر…….مدهش….جميل….باعث لاقصى اللذه والفضول……..أنا…….لا اعلم…..

