الدكتور عبد البر الصياد يكتب…”إفتقاد الحب”

يمكن القول إن حياة كل شخص بالغ تحكمها وتحدها قصتا حب كبيرتان
القصة الاولى/
قصة سعينا وراء الحب الجنسي
وهى قصه معروفه وواضحة المعالم، وتشكل أهواؤها المتقلبه قوام الموسيقى والأدب وهى مقبوله ومحتفى بها إجتماعيا
أما القصه الثانيه/
فهى قصة سعينا وراء حب الناس لنا وهى مخجله وأشد سريه “وإن ذكرت تذكر بطريقه تهكميه لاذعه، كما لو كانت أمرا لا يهم في الأساس إلا الحاسدين ضغاف النفوس، عدا ذلك فإن دافع تحقيق المكانه يترجم بمعنى إقتصادى وحب،ورغم ذلك فإن قصة الحب الثانيه هذه ليست أقل حده عاطفيه من الأولى، ولا تقل عنها تعقيدا أو أهميه أو عالميه كما أن إخفاقاتها لا تقل ألما، هنا أيضا تتحطم القلوب
“ما غاية كل كدح وسعى في هذا العالم”؟
“ما هدف الجشع والطموح،وطلب الثروه والسلطه والتفوق”؟
أهو توفير الضروريات الطبيعية؟
إن أجر أهون عامل يدوى يمكنه أن يفى بهذا الغرض
ماذا قد تكون إذن مزايا ذلك المقصد العظيم للحياه الإنسانية والذى نسميه تحسين الظروف؟
“أن نكون تحت أنظار الآخرين، وموضع عنايتهم أن نلاحظ بعين التعاطف والرضا والاستحسان، كلها مزايا نستطيع أن نقترح أنها مستمده من ظروفنا،يعتز الرجل الثرى بثراوته لأنه يشعر أنها بطبيعة الحال تلفت نحوه إنتباه العالم، وعلى النقيض يخجل الرجل الفقير من فقره
يشعر أنه يضعه بعيدا عن أنظار الناس من شأن شعورنا بأننا غير ملاحظين أن
يحبط بالضرورة أكثر الرغبات إحتداما للطبيعه الإنسانية يخرج الفقير ويدخل من دون أن يلتفت إليه، وعندما يكون وسط جميع يبقى غائم الصوره كما لو كان فى كوخه المغلق عليه وفى المقابل فإن الرجل ذا المكانه والتميز ترقبه عيون العالم كله
الجميع في لهفه إلى رؤيته، وأفعاله موضع إهتمام الناس على العموم، فنادرا ما تصدر عنه لفظة أو إيماءه وتلقى الإهمال
إن الدافع المهيمن وراء رغباتنا في الارتقاء على درجات السلم الاجتماعى قد لا يكون مرتبطا بما نراكمه من سلع ماديه أو ما نحوزه من سلطة، بقدر ما يرتبط بمقدار الحب الذى نتطلع لأن نتلقاه نتيجة للمكانه العاليه، فمن الممكن تثمين كل من المال، والشهره، والنفوذ بوصفها شارات رمزيه للحب، ووسائل للحصول عليه وليس كأهداف في حد ذاتها
كيف يمكن لكلمه، نستخدمها عموما فقط في الاشاره لما قد نتوقعه أو نتمناه من أحد الوالدين، أو من شريك في علاقه رومانسيه، ان تصدق على شىء قد نريده من العالم ويمكنه أن يقدمه لنا؟
ربما يمكننا تعريف الحب، فى أشكاله العائليه والجنسيه والدنيويه معا، كنوع من الاحترام، حساسية من جانب شخص نحو وجود شخص آخر، بمعنى أبداء الحب لنا أن نشعر أننا محط إنشغال وعنايه: حضورنا ملاحظ، إسمنا مسجل آراؤنا ينصت إليها وعيوبنا تقابل بالتساهل وحاجاتنا ملباه، وفى ظل مثل تلك الرعايه ننتعش ونزدهر قد تكون هناك إختلافات بين الحب الرومانسي والحب المعتمد على المكانه، فليس لهذا الأخير بعد جنسي، ولا يمكن أن ينتهى بالزواج، ومن يمنحوننا إياه غالبا ما يحملون قيمة ثانوية-ومع ذلك فإن المحبوبين بسبب المكانه شأنهم شأن المحبوبين في الغرام الرومانسي، سوف يشعرون بالأمان تحت النظره الحانيه لمن يقدرونهم
من الشائع تسمية هؤلاء اللذين يحظون بمواقع ذات شأن فى المجتمع “الإعلام” ونقيضهم هم “النكرات” وكلتا التسميتين بالتأكيد وصف عديم المعنى، فجميعنا، بالضرورة افراد لنا هوياتنا المتمايزه ومطالبنا المماثله من الوجود، وعلى الرغم من ذلك فتلك الكلمتين مجرد أداتين جيدتين لنقل طريقتين متباينتين في التعامل مع مجموعتين مختلفتين من الأشخاص، فمن يفتقرون إلى المكانه غير مرئيين، يعاملون بفظاظه، ما في شخصياتهم من تميز يدهس تحت الاقدام ويتم تجاهل خصائصهم الفريده رغم انه لا مناص من وجود عواقب إقتصاديه للمكانه المتدنيه، فإن أثرها ينبغى ألا يقرأ من الناحية الماديه وحدها، نادرا ما تكمن العقوبه القصوى فى محض المشقه البدنيه ما دامت فوق مستوى الحد الادنى اللازم للاستمرار علي الأقل
بل إن العقوبة القصوى تكمن غالبا، وربما أولا، فى التحدى الذي تفرضه المكانه المتدنيه على إحساس المرء
بإحترامه لنفسه، فمن الممكن تحمل المشقه البدنيه لفترات طويله دونما شكوى، ما لم تصحبها المهانه وللبرهان على هذا ليس علينا سوى نلقى نظرة على مثال العديد من الجنود والمستشكفين ممن تسامحوا عن طيب خاطر ، على مدى القرون، مع أشكال من البؤس والحرمان تفوق بمراحل كل ما يعانيه أفقر أفراد مجتمعاتهم، ما داموا مستندين فى مواجهة كل تلك المصاعب على إدراكهم للتقدير الذى يمنحهم إياه الآخرون
*وعلي المنوال نفسه، فإن فوائد المكانه العاليه نادرا ما تقتصر على الثروه، يجب ألا نفاجأ حينما نجد أن كثيرين من الموسرين بالفعل يواصلون مراكمة أموال لن يفنيها إنفاق خمسة أجيال تالية عليهم، قد نعتبر مسلكهم غريبا فقط إذا اصررنا على التبرير المادى وراء السعى لإكتساب الثروه، فبقدر ما يجمعون من مال، يسعون وراء الاحترام الذى يبدو مستمدا من عملية جمعه، قليلون منا قد يعتبرون بكل وضوح عشاقا للجمال والترف، ولكن جميعنا تقريبا جوعى للمنزله الساميه، وإذ وجد مجتمع في المستقبل يمنح الحب مكافأه على مراكمة أقراص بلاستيكية صغيره، فلن يمر وقت طويل قبل ان تكتسب تلك الأشياء عديمة القيمة مكانا مركزيا من مشاغلنا وطموحاتنا الاشد حماسه.



