الحدثرأيوطني

حرائق مرتفعات جيجل… حين يمتد لهيب الجبال لتهديد المستقبل الملاحي لميناء “جن جن”

  • تغيرات الغلاف الجوي والهيدرولوجيا تداهم الحوض المينائي

جيجل — تحليل صحفي خاص

لم تكن الحرائق المهولة التي التمت أجزاء واسعة من ولاية جيجل مجرد كارثة بيئية عابرة تسببت في فقدان نسبة معتبرة من الغطاء النباتي؛ بل هي شرارة لأزمة تقنية وهيدرولوجية قد تمتد ظلالها المباشرة إلى قلب الرئة الاقتصادية للمنطقة: ميناء جن جن، الذي يعد الشريان الأكبر للتجارة البحرية في الجزائر.

تلك المرتفعات الممتدة من بلدية جمعة بني حبيبي، مروراً ببرج الطهر، بوراوي بلعطاف، وأولاد عسكر، وصولاً إلى الطاهير وشمالاً نحو الشحنة، وجانة، وتاكسنة، لم تكن مجرد مشاهد طبيعية تُحيط بالسهول وتطل على الحوض المينائي، بل كانت تلعب دور “المصد الطبيعي” والدعامة الهيدرولوجية التي تحمي البنية التحتية للميناء وتؤمن سلاسة نشاطه التشغيلي.

ومع رماد الغابات المفقودة، يقف الميناء اليوم أمام مواجهة مفتوحة مع تحديات بيئية وتقنية غير مسبوقة على المديين المتوسط والبعيد.

1. تجرد المنحدرات: “الشهيلي” يكسر مكابح الرياح ونشاط الملاحة في المرمى

كانت الغابات الكثيفة على السلسلة الجبلية المطلة على الساحل تعمل كـ “مكابح ديناميكية” امتصت لسنوات حدة الرياح الهابطة وشتتت قوتها قبل وصولها إلى السهل المينائي.

ومع اختفاء هذا الخط الدفاعي الأول:

  • تسارع الهبات الهوائية (Les\ rafales\ de\ vent): ستتدفق الرياح الجنوبية والجنوبية الغربية الحارة (المعروفة بـ “الشهيلي”) عبر المنحدرات العارية دون عوائق هيكلية، مما يؤدي إلى زيادة سرعة الرياح السطحية بشكل مباشر عند خط الساحل.
  • اضطراب منطقة الرسو (Zone\ de\ mouillage/amarrage): الارتفاع المفاجئ في شدة الهبات الهوائية داخل الحوض المينائي يزيد من صعوبة مناورات السفن العملاقة أثناء الدخول أو الإرساء، وهو ما يعرض أمن الملاحة للخطر وقد يدفع إدارة الميناء إلى فرض توقفات اضطرارية لحركة السفن في فترات نشاط الرياح.

2. التعرية الريحية: الغبار والرماد يهددان رافعات الشحن والرؤية الأفقية

تفكك التربة السطحية بعد تحول الغطاء النباتي إلى رماد يجعل المرتفعات عرضة لتعرية ريحية حادة. وأي نشاط للرياح القادمة من المرتفعات سيتكفل بنقل كميات هائلة من الأتربة والرماد الهائم نحو الشريط الساحلي.

[مرتفعات محترقة وتفكك للتربة] 
         │ (رياح هابطة / شهيلي)
         ▼
[زحف الغبار والرماد نحو الحوض المينائي]
         │
 ┌───────┴────────────────────────┐
 ▼                                ▼
[تدني الرؤية الأفقية للبواخر]   [ترسب الرماد على التجهيزات والرافعات]
(عراقيل مناورة وإرساء)         (أعطال ميكانيكية وزيادة أيام الصيانة)

ينتج عن هذا السيناريو تأثيران مباشرين:

  1. تدني الرؤية الأفقية: اتساع رقعة العجاج والرماد المحمول جواً يقلل من مدى الرؤية للربابنة والقاطرات أثناء مناورات الاقتراب والإرساء.
  2. إنهاك التجهيزات الحساسة: يمثل ترسب الأتربة والرماد على رافعات الحاويات العملاقة والأنظمة الإلكتروميكانيكية العاملة بالميناء خطراً تشغيلياً يرفع معدلات التآكل، ويتطلب برامج صيانة مكثفة وطارئة، مما يقلص من عدد “أيام الاستغلال الفعلي” للمنشأة.

3. “الصدمة المطرية الأولى”: خطر الانجراف الطيني وتراكم الأوحال

الخطر الأبرز لا ينتظر سنوات ليعبر عن نفسه، بل يكمن في “الصدمة المطرية الأولى” (First\ flush\ effect). فعند سقوط أولى العواصف المطرية القوية على التربة العارية التي فقدت نفاذيتها وقدرتها على امتصاص المياه بفعل الاحتراق، ستحول الأمطار الغزيرة المنحدرات الجبلية إلى مجارٍ لسيول جارفة.

  • الانجراف الطيني السريع: غياب الجذور التي كانت تثبت التربة سيتسبب في انزلاقات طينية تتجه مباشرة عبر الشبكة الهيدرولوجية نحو المنخفضات والسهول المتاخمة للميناء.
  • ترسب الأوحال بالحوض: كتل الطمي والرماد التي ستُجرف نحو البحر ستنتهي داخل حوض الميناء وقنوات الاقتراب، مما يؤدي إلى تقليل العمق المائي المتاح (Tirant\ d’eau).
  • تكاليف تجريف إضافية: هذا التوحل الفجائي سيجبر إدارة الميناء على إدراج عمليات تجريف طارئة (Draage) للحفاظ على الأعماق والتصاميم الهيكلية للأرصفة، وهو ما يمثل عبئاً مالياً ولوجستياً إضافياً.

تحدٍ تقني يستوجب خطة طوارئ بيئية

إن حرائق جبال جيجل الأخيرة أثبتت أن حماية المنشآت الاقتصادية الكبرى لا تقف عند حدود أسوارها الخرسانية، بل تبدأ من حماية توازنها البيئي والمحيط الجغرافي الذي يؤمنها.

أصبح ميناء “جن جن” اليوم بحاجة ماسة إلى:

  1. تفعيل خطة حماية هيدرولوجية عاجلة: تتضمن إقامة حواجز ترسبية مؤقتة على طول المجاري المائية المنحدرة من جبال الطاهير وجمعة بني حبيبي للحد من تدفق الأوحال مع حلول فصل الخريف.
  2. إعادة تشجير مكثفة وسريعة: استهداف المرتفعات المحاذية للميناء بأنواع شجرية سريعة النمو ذات جذور عميقة لإعادة بناء “مصدات الرياح الطبيعية” وتثبيت التربة.
  3. تكثيف الصيانة التنبؤية: حماية التجهيزات الحساسة والرافعات من تأثيرات الغبار والرماد المترسب لضمان استمرارية سلاسل الإمداد دون انقطاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى