الحدثوطني

الجزائر تُخلد ذكرى صقورها: 69 عامًا على استشهاد الرائد أحمد الشريف منتوري “سي محمود”

* رمز النضال الطلابي والسلاح في وجه الاستعمار

بقلم: حياة زدام-المديرة العامة لموقع “عاصفة نيوز

تُحيي الجزائر بكل إجلال وفخر، الذكرى التاسعة والستين (69) لاستشهاد (25 جويلية 1957) واحدٍ من قادة الثورة التحريرية المظفرة وأحد أبرز رموزها الأكاديميين والميدانيين، الشهيد الرائد أحمد الشريف منتوري، المعروف في أوساط الثوار بـ “سي محمود”؛ الرجل الذي استبدل مدرجات الجامعات بقمم الجبال، وحكَم على رغد الحياة بالهجر ليصنع ملحمة استقلال الوطن.

عائلة مجاهدة وتنشئة على رفض الظلم

ولد الشهيد “سي محمود” في 31 مارس 1931 بمدينة فرجيوة (فج امزالة سابقًا)، في كنف عائلة عريقة في الوطنية والجهاد. والده، يونس منتوري (المولود في 1896) ، كان موظفًا في البريد والمواصلات وشهد عدة محطات ونقلات بحكم عمله (بين فج مزالة، جيجل، الحامة وقسنطينة)، بينما ينتمي خواله من عائلة “طورشي” إلى سلالة من النضال والتضحية قدمت للثورة قادة برتب عالية كالشهيد النقيب طورشي المكي.

ولم تكن عائلة منتوري غريبة عن مرارة البطش الاستعماري؛ فقد تجرعت مرارة تجريد الأراضي بموجب “قانون ورانيه” الغاشم، وشهدت اعتقال 10 من أبنائها واقتيادهم إلى سجن “لامباز” الرهيب عقب انتفاضة 8 ماي 1945، وصولًا إلى تقديم أبنائها شهداء في قلب المعركة، وعلى رأسهم بلقاسم منتوري ومصطفى عواطي.

“لم تكن الوطنية في بيت منتوري خيارًا، بل كانت أوكسجينًا يتنفسه الأبناء مع كل صباح.”

مسار علمي حافل: من مدرجات “ليون” إلى قيادة الإضراب

تميّز أحمد الشريف بذكاء حاد وشغف كبير بالعلم. استهل مساره الدراسي بمدرسة “مونتسكو” بقسنطينة (1937-1943) ، ثم واصل تعليمه الثانوي بثانوية “يوغورطة” ليتوج مسيرته بنيل شهادة البكالوريا عام 1950.

ولأنه حمل همّ أبناء جلده، مارس مهنة التعليم بشغف في مدرسة “منتورة” بفرجيوة ثم بمدينة “عين مليلة” (1951-1952) ، قبل أن يشد الرحال إلى فرنسا لمتابعة دراسته الجامعية بكلية الحقوق بـ جامعة ليون، والتي تخرج منها بحصوله على شهادة الليسانس في الحقوق عام 1955.

محطات في النضال السياسي والطلابي:

  • حركة الانتصار والحريات الديمقراطية: انخرط فيها مبكرًا واكتسب منها الحنكة والوعي السياسي.
  • تأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين: شكّل برفقة أخيه الطبيب بشير منتوري طليعة المؤطرين للطلبة الجزائريين في فرنسا، حيث تولى محمود تسيير فرع الاتحاد بمدينة ليون.
  • إضراب 19 ماي 1956: كان “سي محمود” من أبرز المحركين لإضراب الطلبة التاريخي، داعيًا إياهم لمغادرة مقاعد الدراسة والالتحاق فورًا بصفوف جيش التحرير الوطني.

سارعت السلطات الاستعمارية لملاحقته بعد اكتشاف شبكته التجنيدية والدعائية بليون، وصدر بحقه حكمٌ غيابي بالإعدام نشرته صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 30 جوان 1956.

ملحمة الميدان: من أوراس النمامشة إلى الحدود الشرقية

لم يُثنِ حكم الإعدام عزيمة الشاب الثائر، بل كان دافعًا لفراره عبر رحلة مخابراتية معقدة قادته من فرنسا إلى إسبانيا ثم تونس، ليصل أخيرًا إلى قلعة الأوراس الشامخة بالولاية التاريخية الأولى.

في الجبال، أثبت “سي محمود” أن القانوني اللامع هو أيضًا قائد عسكري مقدام. أصبح سريعًا أحد أبرز مساعدي الشهيد القائد عباس لغرور، وأصيب بجروح في المعارك مرتين دون أن تتراجع عزيمته. وبفضل حنكته وانضباطه العالي، كُلّف بمهام دبلوماسية وسياسية جليلة لصالح الثورة في كل من ليبيا ومصر.

السقوط في ميدان الشرف

في جويلية من عام 1957، وأثناء عودته من إحدى المهام الوطنية النبيلة، واجه الرائد أحمد الشريف منتوري خطوط النار على الحدود الجزائرية التونسية، ليستشهد في ميدان الشرف عن عمر ناهز 26 ربيعًا، تاركًا خلفه سيرة عطرة تُدرس في محاريب الوطنية والتضحية.

رحل البطل وبقيت الذكرى

إن الملمس النضالي للشهيد الرائد “سي محمود” يمثل الصورة المشرقة للمثقف الجزائري الذي لم يستثمر شهادته العليا في تحقيق مكاسب شخصية، بل جعل منها سلاحًا فكريًا وسخر حياته لخدمة القضية الوطنية.

في ذكرى استشهاده الـ 69، تقف الجزائر—شعبًا ومؤسسات—إجلالًا لروح الشهيد أحمد الشريف منتوري ولكل شهداء الثورة التحريرية، ليظل اسمه حياً في ذاكرة الأجيال ومحفورًا بأحرف من نور في سجل الخالدين.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، وتحيا الجزائر حرة مستقلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى