الحدثوطني

صراع الصدارة وتحالفات الكواليس: من يخلف إبراهيم بوغالي على رأس البرلمان الجزائري؟

تتجه الأنظار في الجزائر نحو مبنى البرلمان بشارع زيغود يوسف، حيث تحتدم المنافسة بين التشكيلات السياسية لحسم هوية الرئيس الجديد لـ المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان)، قبيل افتتاح العهدة التشريعية الجديدة.

تأتي هذه الخطوة في لحظة فارقة تعيشها الساحة السياسية، تتقاطع فيها التحضيرات لتشكيل الحكومة المقبلة مع ترتيبات الاستحقاقات المحليات (البلدية والولائية) المرجحة قبل نهاية العام، وفي ظل “مبادرة وطنية” أطلقها حزب حركة البناء الوطني لبحث معالجة ظاهرة العزوف الانتخابي.

دلالات التوقيت: تسريع الإجراءات وحسم التوافقات

تُشير المعطيات الميدانية إلى أن قرار تقديم موعد تنصيب النواب الجدد—قبل خمسة أيام كاملة من انقضاء المهلة الدستورية المحددة بـ 15 يوماً وفق المادة 133 من الدستور—يحمل رسائل سياسية واضحة؛ أبرزها وصول التوافقات داخل أروقة الأغلبية الرئاسية إلى مراحلها النهائية.

وفق الأحكام الدستورية: تُفتتح الجلسة الأولى برئاسة أكبر النواب سنّاً وبمساعدة أصغر نائبين، لتُخصص ليس فقط لانتخاب رئيس المجلس، بل ولتنصيب النواب الجدد وانتخاب أعضاء المكتب ومسؤولي اللجان الدائمة.

                    ┌──────────────────────────────────┐
                    │  خريطة التنافس على رئاسة المجلس │
                    └─────────────────┬────────────────┘
                                      │
           ┌──────────────────────────┴──────────────────────────┐
           ▼                                                     ▼
┌────────────────────┐                                ┌────────────────────┐
│   الأغلبية الرئاسية │                                │ المعارضة (حمس)     │
├────────────────────┤                                ├────────────────────┤
│ • عطا الله مولاتي  │                                │ • أمين علوش        │
│   (الأوفر حظاً)    │                                │   (ترشيح رسمي)     │
│ • إسماعيل دبش      │                                │                    │
└────────────────────┘                                └────────────────────┘

هندسة المشاورات: الأغلبية الرئاسية وخيارات الحسم

يُمثل انتخاب رئيس المجلس الشعبي الوطني أول اختبار سياسي حقيقي لخرائط القوى داخل الغرفة التشريعية. وبينما تتجه أحزاب الأغلبية الداعمة لبرنامج رئيس الجمهورية إلى تقديم مرشح موحد، تتوزع الأدوار داخل هذا التكتل كالتالي:

  • التكتل الداعم: أبدت أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي (RND)، حركة البناء الوطني، وجبهة المستقبل عدم نيتها تقديم مرشحين منفردين، مفسحة المجال للاتفاق على اسم جامع.
  • جبهة التحرير الوطني (FLN): بفضل تصدرها لنتائج الانتخابات الأخيرة، تُعتبر الخزان الأول لترشيحات الأغلبية، رغم عدم إسباغ الطابع الرسمي على اسم محدد حتى لحظات التحكيم الأخيرة.

بورصة المرشحين: من هما اسما الصدارة ومن الأوفر حظاً؟

في أروقة المجلس، يتصدر مشهد التنافس اسمين بارزين من كتلة جبهة التحرير الوطني، يقابلهما مرشح رسمي من المعارضة:

1. عطا الله مولاتي (الخيار الأوفر حظاً)

يُعد الوالي السابق لولاية الشلف والأكاديمي المنحدر من ولاية تقرت (الجنوب الجزائري) الشخصية الأكثر ترجيحاً للظفر بالموقع البروتوكولي الرابع في الدولة.

  • الرصيد الإداري: خبرة طويلة في الإدارة العليا والمسار الإقليمي.
  • البُعد الجغرافي: انتمائه للجنوب يمنحه ورقة “التوازن الإقليمي” في توزيع المناصب العليا لمؤسسات الدولة.
  • البروفايل السياسي: يجمع بين الحنك الإدارية والقبول السياسي داخل أحزاب الأغلبية.

2. د. إسماعيل دبش (خيار الكفاءة الأكاديمية)

أكاديمي ونائب عن جبهة التحرير الوطني، يمتلك حضوراً إعلامياً ودبلوماسياً، ويبقى اسمه مطروحاً كخيار بديلاً يحمل صبغة فكرية وسياسية.

3. أمين علوش (ترشيح الخط السياسي للمعارضة)

على عكس تحفظ الأغلبية، أعلنت حركة مجتمع السلم (حمس) بوضوح تقديم رئيس بلدية وهران السابق، أمين علوش، كمرشح رسمي لرئاسة المجلس؛ تأكيداً على خطها السياسي المائل للمنافسة وإثبات الوجود التشريعي.

القراءة التحليلية: ما بعد تنصيب البرلمان؟

تكمن أهمية هذه الجلسة التشريعية في كونها القاطرة التي ستجر وراءها ملفات سياسية وتنفيذية في غاية الأهمية:

الاستحقاق المقبلالأبعاد والدلالات السياسيّة
هيكلة البرلمانحسم مكتب المجلس ورؤساء اللجان الدائمة لضمان انسيابية العمل التشريعي.
التشكيل الحكوميفتح الطريق أمام رئيس الجمهورية لتشكيل حكومة جديدة، أو تجديد الثقة في الطاقم الحالي.
المحليات والشارعالتعامل مع المبادرات السياسية كـ “مبادرة حركة البناء” لامتصاص العزوف الانتخابي قبل اقتراع البلديات.

تتجه بوصلة التوافقات في النهاية نحو تغليب عامل الخبرة والتوازن الإقليمي، وهو ما يجعل عطا الله مولاتي في صدارة المشهد لخلافة إبراهيم بوغالي، في انتظار اللحظات الأخيرة التي عادة ما تحسم مسار التصويت داخل القبة البرلمانية.

سيكون الصمت الإيجابي الذي يُخيّم على كواليس الأغلبية الرئاسية بلسماً يسبق العاصفة التوافقية؛ فكل المؤشرات الرقمية، والتوازنات الجغرافية، والضرورات الإدارية، تتضافر اليوم لتضع الوالي السابق عطا الله مولاتي على بعد خطوة واحدة من اعتلاء سدة المجلس الشعبي الوطني وخلافة إبراهيم بوغالي.

ففي وقتٍ تحتاج فيه الغرفة التشريعية الأولى إلى ضابط إيقاع يجمع بين الحنكة الإدارية والتوازنات الإقليمية التي تُمثل عمق الجنوب الجزائر, يبرز مولاتي كخيار كلاسيكي حاسم، يُجسد روح المرحلة المقبلة القائمة على الصرامة والفاعلية.

إن رسم ملامح “الرجل الرابع في الدولة” لن يكون مجرد إجراء بروتوكولي أخير؛ بل هو الحجر الأساس الذي ستُبنى عليه الخارطة السياسية القادمة، بدءاً من الهندسة الحكومية المرتقبة، وصولاً إلى معركة الرهان الانتخابي الأكبر في استحقاقات المحليات المقبلة. فهل ستشهد القبة الديمقراطية إجماعاً سلسًا على مرشح الأغلبية، أم أن صندوق الاقتراع يُخبئ مفاجآت اللحظات الأخيرة؟ الأيام القليلة القادمة (غداً الثلاثاء) كفيلة بكشف المستور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى