الحدثوطني

منصة إلكترونية لإيداع شكاوى الأشخاص الطبيعيين الذين يتم نشر صورهم وتسجيلاتهم السمعية البصرية عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي

  • سيادة البيانات في عصر “الخوارزميات العابرة للحدود”: تفكيك المداولة رقم 04 للسلطة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية


في خطوة وصفتها الأوساط القانونية والرقمية بـ “المنعطف الحاسم” في مسار الحوكمة الرقمية وحماية الحقوق الحيوية للأفراد، أفرجت السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي عن المداولة رقم 04 المؤرخة في 15 جويلية 2026.

تأتي هذه المداولة لتضع حداً للفوضى الرقمية التي طالما طبعت فضاءات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، مقننةً بشكل صارم عمليات معالجة، نشر، وبث الصور والتسجيلات السمعية البصرية للأشخاص الطبيعيين. إنها ليست مجرد نص تنظيمي عابر، بل هي “وثيقة مرجعية وتفسيرية” تعيد رسم الخطوط الفاصلة بين حرية النشر الافتراضي وانتهاك الخصوصية البشرية.

1. التكييف القانوني: الصورة ليست مجرد “بكسلات” بل هوية شخصية

أنهت المداولة الجديدة الجدل القائم حول الطبيعة القانونية للوسائط المرئية والمسموعة. فبموجب المادة 03 من القانون رقم 18-07 المعدل والمتمم، تُصنف الصور والتسجيلات السمعية البصرية التي تسمح بالتعرف المباشر أو غير المباشر على الشخص الطبيعي كـ “معطيات ذات طابع شخصي”.

بناءً على هذا التكييف، فإن أي عمليات تشمل:
-الجمع والالتقاط
-التسجيل والتخزين
-البث والإتاحة للغير عبر المنصات الرقمية

تُعدّ قانوناً “معالجة كاملة الأركان للمعطيات الشخصية”، وتخضع تلقائياً للمساءلة القانونية الصارمة، مما يخرجها من دائرة الممارسات العشوائية إلى نطاق الامتثال التشريعي.

2. ثلاثية الحوكمة الرقمية: الشرعية، التناسب، والموافقة المسبقة

وضعت السلطة الوطنية خارطة طريق واضحة للمسؤولين عن معالجة البيانات (سواء كانوا مؤسسات إعلامية، صناع محتوى، أو هيئات وشركات)، ترتكز على مبادئ كبرى:

أ. الرضا الحر والمسبق

عندما يكون النشر موجهًا للجمهور عبر الشبكات الاجتماعية، تشترط المداولة الحصول على موافقة حرة، صريحة، مسبقة وقابلة للإثبات من الشخص المعني، ما لم يتوفر مسوّغ قانوني أو تنظيمي آخر يقرّه التشريع المعمول به.

ب. مبدأ الشفافية والإعلام المسبق
يلتزم المسؤول عن المعالجة بإحاطة المواطن ببيان إعلامي واضح يشمل:
-هوية الجهة أو الشخص المسؤول عن المعالجة.
-الغرض الدقيق من التصوير أو التسجيل.
-وسائل النشر والبث المزمع إستعمالها.
-مدة الاحتفاظ بالحقوق والوسائط المخزنة.
-إعلامهم بحقوقهم في (الولوج، التصحيح، الاعتراض، وسحب الموافقة).

3. اختراق الحدود: النشر عبر المنصات الأجنبية و”تهريب البيانات”

يمثل الشق المتعلق بالمنصات الرقمية التي تديرها جهات أجنبية (مثل Meta، X، TikTok وغيرها) الذروة التحليلية والاستقصائية لهذه المداولة.

فقد أقرّت السلطة الوطنية علانية أن نشر صور أو تسجيلات المواطنين عبر هذه المنصات التي تتولى استضافتها أو معالجتها خارج التراب الوطني، يُعدّ “نقلاً للمعطيات خارج الإقليم الوطني”.

تحليل أمني رقمي: هذا التوصيف يُخضع هذه العمليات مباشرة لأحكام المادتين 44 و45 من القانون 18-07. وبناءً عليه، يُلزم القانون المسؤول عن المعالجة باتخاذ تدابير حمائية قصوى تضمن مستوىً مناسباً لسلامة البيانات المنقولة، مع تقديم كشف وافٍ عن هوية الجهة المستقبلة الأجنبية وشروط معالجتها للبيانات.

4. المسؤولية الأمنية والتقنية: البيانات تحت الحراسة المشددة

لم تغفل المداولة الجانب التقني؛ حيث فرضت على المسؤول عن المعالجة و”المعالج من الباطن” التزاماً صارماً باتخاذ كافة التدابير التنظيمية والتقنية لحماية سلامة المعطيات وسريتها. يشمل هذا الالتزام حماية الصور والتسجيلات من:
-الإتلاف أو الضياع
-التعديل غير المصرح به (مثل التزييف العميق – Deepfake)
-الإفشاء أو الولوج غير المشروع
-ويمتد هذا الالتزام عبر كافة المراحل من لحظة الالتقاط والجمع وحتى النشر والحذف.

5. آليات الردع والرقابة: نافذة رقمية للشكاوى وعقوبات جزائية مرتقبة

وفي سياق تمكين المواطنين من حماية حقوقهم، وضعت السلطة الوطنية تحت تصرف الأشخاص المعنيين خدمة إلكترونية مخصصة لإيداع الشكاوى والاحتجاجات عبر موقعها الرسمي تفعيلًا للمادة 25 من القانون 18-07.

لكن الأهم في هندسة هذا القرار، هو تأكيد المداولة على أن الإجراءات الإدارية أو الرقابية التي تتخذها السلطة لا تحول دون تحريك الدعاوى العمومية وتطبيق العقوبات الجزائية المنصوص عليها في القانون 18-07، متى شكّلت هذه الأفعال (كالتشهير، التصوير دون إذن، أو تسريب البيانات) جريمة معاقب عليها قانوناً.

مقصلة العقوبات وتحديات الامتثال لصناع المحتوى والإعلام

بينما استبشر المدافعون عن الخصوصية بصدور المداولة رقم 04 لسنة 2026، خيّم صمت ثقيل على أروقة “المؤثرين”، صناع المحتوى، والوكالات الرقمية والإعلامية. فالنص الجديد لم يعد يتعامل مع الصورة كعنصر “مشاع” على الإنترنت، بل حوّلها إلى لغم قانوني قد ينفجر في وجه أي مستخدم يتجاهل الضوابط، خاصة عند التعامل مع خوارزميات ومنصات عابرة للقارات.

1. قراءة في المادتين 44 و45: العقوبات الجزائية لنقل البيانات للخارج

إن تكييف السلطة الوطنية لنشر الصور والتسجيلات عبر منصات أجنبية (مثل فيسبوك، إنستغرام، يوتيوب، تيك توك) على أنه “نقل للمعطيات خارج الإقليم الوطني”، يرفع الغطاء تلقائياً عن ممارسات كانت تُصنف سابقاً كـ “أنشطة عفوية”.

بموجب المادتين 44 و45 من القانون 18-07 المعدل والمتمم، يخضع هذا النقل لشروط صارمة جداً أبرزها:

-الموافقة المسبقة والصريحة للسلطة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية.
-تأكّد السلطة من أن الدولة المستقبلة (أو خوادم المنصة الأجنبية) توفر مستوى حماية كافٍ وموازٍ للتشريع الوطني.
ماذا يحدث في حال المخالفة؟

المداولة صرحت بشكل قطعي أن التدابير الإدارية للسلطة لا تمنع تطبيق العقوبات الجزائية. وبالعودة إلى الأحكام الجزائية للقانون 18-07، فإن العقوبات المترتبة على خرق أحكام نقل البيانات إلى الخارج تشمل:

-عقوبات سالبة للحرية: الحبس الذي قد يصل في بعض الحالات التشديدية إلى سنوات، إذا ثبت أن النقل تم بسوء نية أو ألحق ضرراً جسيماً بالسيادة الرقمية أو بالأشخاص.

-غرامات مالية ثقيلة: تطال الأفراد وتتضاعف بموجب القانون عندما يتعلق الأمر بـ “شخص معنوي” (شركات إعلامية، وكالات إشهار، أو مؤسسات ناشئة).

-المصادرة والحجب: مصادرة التجهيزات الإلكترونية المستعملة في المعالجة، والأمر بحجب أو سحب المحتوى المخالف فوراً بطلب من السلطة الوطنية أو الجهات القضائية.

2. زلزال في “مملكة المؤثرين”: نهاية عهد الفيديوهات العشوائية

يواجه صناع المحتوى (المؤثرون، الـ Vlogger، والمصورون الهواة) معضلة حقيقية بعد صدور هذه المداولة. فكل فيديو يتم تصويره في الشارع أو في فضاء عام ويظهر فيه مواطنون طبيعيون (حتى وإن كان ذلك في الخلفية بشكل غير مباشر) ويُرفع على يوتيوب أو تيك توك، يُعتبر جريمة مكتملة الأركان ما لم يستوف الشروط التالية:

[تصوير فيديو في فضاء عام]


[هل يظهر أشخاص طبيعيون يمكن التعرف عليهم؟]

┌─────┴─────┐
نعم لا ───► (مسموح بالنشر)


[هل توجد موافقة حرة، مسبقة، وصريحة وقابلة للإثبات؟]

┌─────┴─────┐
نعم لا ───► (مخالفة صريحة للمداولة 04 وقانون 18-07)
│ │
▼ ▼
(نشر قانوني آمن) (ملاحقة قضائية + غرامات + حجب)

شهادة قانونية: “إن اشتراط السلطة لموافقة ‘قابلة للإثبات’ يعني أن صانع المحتوى ملزم تقنياً أو كتابياً بامتلاك دليل على أن الشخص الظاهر في الفيديو قد وافق على نشر صورته عبر منصة أجنبية، وهذا ينهي تماماً عهد الكاميرا الخفية العشوائية وفيديوهات ‘الستريت إنترفيو’ (المقابلات الشارعية) دون غطاء قانوني”.

3. المؤسسات الإعلامية والوكالات الرقمية: تحدي “الامتثال أو الإغلاق”

إذا كان الهواة يواجهون خطر الملاحقة الفردية، فإن المؤسسات الإعلامية والشركات التي تدير مواقع إلكترونية وصفحات إخبارية ضخمة تواجه تحدياً وجودياً يتعلق بالامتثال المؤسساتي:

أولاً: إعادة النظر في أرشفة وسائط الملتيميديا

تلتزم المؤسسات بموجب المداولة بـ تحديد مدة الاحتفاظ بالمعطيات. ولم يعد ممكناً ترك صور الأشخاص مخزنة في خوادم الشركات أو سحابات أجنبية (مثل Google Drive أو AWS) إلى الأبد دون غرض محدد ومعلن.

ثانياً: تعيين مسؤول حماية المعطيات (DPO)

تصبح الشركات ملزمة بتعيين أو تفعيل دور “مسؤول المعالجة” الذي يسهر على أمن البيانات وسريتها، والتأكد من أن “المعالجين من الباطن” (مثل شركات الاستضافة أو وكالات المونتاج الخارجية) يمتثلون للتدابير التقنية لمنع الإفشاء أو التعديل غير المشروع (مثل تركيب الصور أو التزييف العميق).

ثالثاً: معضلة البث المباشر (Livestreaming)

البث المباشر عبر منصات مثل “فيسبوك ليف] أو “يوتيوب ليف” من مسيرات، تغطيات صحفية، أو أحداث رياضية، يضع المؤسسات في مواجهة مباشرة مع خطر “النقل الفوري لمعطيات المواطنين للخارج” دون تصفية مسبقة، وهو ما سيتطلب ابتكار بروتوكولات تحريرية وتقنية جديدة لتفادي الوقوع تحت طائلة القانون.

الدليل العملي للامتثال: كيف تحمي نشاطك الرقمي من العقوبات؟

لتفادي الملاحقات القضائية والغرامات الثقيلة بموجب المداولة رقم 04 والقانون رقم 18-07، يتعين على كل صانع محتوى أو مؤسسة إعلامية تطبيق البروتوكول التنفيذي التالي فوراً:

أولاً: البروتوكول القانوني (قبل الضغط على زر التسجيل)

1. صياغة “استمارة الموافقة الرقمية أو الكتابية”

لا يكفي أن يقول الشخص “أنا موافق” شفهياً. يجب أن يمتلك المسؤول عن المعالجة دليلاً قابلاً للإثبات.

-للأفراد والمؤثرين: يمكن إدراج الموافقة في بداية التسجيل بصوت وصورة الشخص المعني، يذكر فيها اسمه ويصرح علناً: “أوافق على تصويري ونشر المقطع عبر منصات التواصل الاجتماعي التابعة لـ (اسم الحساب)”.

-للمؤسسات والشركات: يُفضل استخدام استمارات رقمية قصيرة (عبر مسح رمز QR قبل المقابلة) أو ورقية، تتضمن بوضوح هوية المؤسسة، الغرض من التصوير، والمنصات المستهدفة بالنشر.

2. تفعيل “حق السحب والاعتراض”

يجب إعلام الشخص المعني بأن موافقته ليست صكاً على بياض؛ فمن حقه قانوناً المطالبة بحذف الفيديو أو صورته في أي وقت، وعلى الجهة الناشرة الاستجابة الفورية دون إبطاء لتفادي إيداع شكوى الكترونية ضدها لدى السلطة الوطنية.

ثانياً: البروتوكول التقني والفني (أثناء المونتاج والمعالجة)

1. تقنية “العزل الضبابي” (Blurring) للمارة

عند تصوير تقارير الشارع (Street Vlogs) أو التغطيات الإخبارية، يجب إخضاع الفيديو لعملية مونتاج دقيقة يتم فيها طمس وجوه جميع الأشخاص الذين يظهرون في الخلفية بشكل عشوائي، بالإضافة إلى طمس لوحات ترقيم السيارات وأي معطيات تدل على هوية أشخاص لم يمنحوا موافقتهم الصريحة.

[ المادة الخام للفيديو (Raw Footage) ]


[ إدخال الفيديو في برنامج المونتاج ]

┌────────────────┴────────────────┐
▼ ▼
[الوجه الرئيسي (بالموافقة)] [أشخاص في الخلفية (بدون موافقة)]
│ │
▼ ▼
(يُترك واضحاً) (تطبيق فلاتر الطمس الوجوه البلور)
│ │
└────────────────┬────────────────┘


[ فيديو آمن وممتثل للمداولة رقم 04]

2. حماية بيئة التخزين (Data Security)

تلتزم المؤسسات بعدم ترك الصور والتسجيلات الخام (Raw) في وسائط تخزين غير محمية أو سحابات عامة مفتوحة. يجب تشفير ملفات الوسائط وتحديد صلاحيات الوصول إليها للموظفين المخولين فقط (مثل رئيس التحرير أو خبير المونتاج)، مع وضع جدول زمني للإتلاف الآمن للملفات بمجرد انتهاء الغرض من نشرها.

ثالثاً: حوكمة النشر عبر المنصات الأجنبية (Meta, Google, TikTok)

بما أن النشر على هذه المنصات يُعدّ قانوناً “نقلاً للبيانات خارج الحدود”، وجب على المؤسسات والوكالات الرقمية اتخاذ الخطوات التالية:

1. إيداع التصاريح وطلب التراخيص

على المؤسسات الإعلامية والشركات التجارية تقنين وضعيتها بتقديم ملفات تصريح لمعالجة المعطيات الشخصية لدى السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، تذكر فيها طبيعة المنصات الأجنبية المستخدمة للنشر (يوتيوب، فيسبوك…) ، مستندة إلى الضمانات التقنية التي توفرها هذه المنصات لحماية البيانات.

2. تحديث “سياسة الخصوصية” (Privacy Policy)

يجب على كل موقع إلكتروني جزائري أو منصة رقمية تحديث وثيقة “سياسة الخصوصية” المنشورة على موقعها، لتتضمن بنداً صريحاً يشرح للمستخدمين أن صورهم أو تفاعلاتهم المرئية قد تُستضاف على خوادم خارج الإقليم الوطني تابعة للمنصات الشريكة، مع تبيان كيفية حمايتها.

إن شعار المرحلة الرقمية الجديدة هو “فكر قبل أن تنشر، واستأذن قبل أن تصوّر”. الامتثال للمداولة رقم 04 ليس قيداً على الإبداع أو حظرًا للعمل الصحفي، بل هو ارتقاء بصناعة المحتوى إلى مستوى الاحترافية الدولية، حيث تصبح حرية التعبير والابتكار الرقمي متوازية تماماً مع كرامة الإنسان وسيادته على صورته وهويته.

تؤشر المداولة رقم 04 لسنة 2026 على دخول البيئة الرقمية الوطنية عهداً جديداً من “السيادة القانونية على البيانات”. إنها رسالة حازمة لكل من يستغل الفضاء الافتراضي لاستباحة خصوصيات الأفراد طبيعيين كانوا أو اعتباريين، وتضع صناع المحتوى والمؤسسات الرقمية أمام خيار واحد لا ثاني له: الامتثال التام أو مواجهة مقصلة القانون.

إن المداولة رقم 04 لسنة 2026 نجحت في نقل النقاش من “الأخلاقيات الافتراضية” إلى “المسؤولية الجنائية الكاملة”. إنها تضع الفاعلين الرقميين أمام حتمية تاريخية: إما الانتقال نحو صناعة محتوى احترافية تحترم السيادة الرقمية وخصوصية المواطن، أو المخاطرة بدخول أروقة المحاكم ودفع كلفة الاستهتار القانوني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى