بنت بلادي

ركن “بنت بلادي”/ ابنة تيارت “بشرى هبة الله قرومي”… وجهٌ آخَر للنجاح يحمل كبرياء الجزائر العميقة

بقلم: حياة زدام (المديرة العامة لموقع وقناة “عاصفة نيوز“)

لم يكن إعلان نتائج بكالوريا دورة جوان 2026 مجرد حدث تربوي عابر يقتصر على لغة الأرقام والمعدلات، بل تحوّل هذا العام إلى محطة فكرية واجتماعية فارقة، صنعت تميزها ابنة ولاية تيارت، الطالبة بشرى هبة الله قرومي. فبمعدل 19.26 في شعبة “تقني رياضي”، لم تكتفِ بشرى باعتلاء عرش الصدارة الوطنية فحسب، بل أعادت صياغة مفهوم التفوّق، كاسرةً “الصور النمطية القوالبية” التي استوطنت المخيال الجمعي والمنصات الرقمية لسنوات طويلة.

كاريزما القيادة ووعي يتجاوز السنين

من ثانوية “أحمد بوزيرة” ببلدية السبعين، خرجت بشرى إلى الفضاء الإعلامي لتفاجئ الرأي العام بحضور لافت، وهالة تأسر المتابعين بكاريزما قيادية جمعت بين الصرامة، الثقة بالنفس، والجرأة الفكرية. بعمر الثمانية عشر عاماً، لم تكن تصريحاتها مجرد ردود عفوية لطالبة متفوقة، بل جاءت بمثابة “مرآة عاكسة” كشفت عن وعي وثقافة عالية، وفكّكت في الوقت ذاته مستوى السطحية لدى بعض محاوريها من صناع المحتوى والمحسوبين على الإعلام.

لقد صدمت ابنة تيارت “جماعة القوالب الجاهزة” الذين اعتادوا مرافقة المتفوقين بحملات دعائية تقوم على ما يمكن تسميته بـ “تجارة الشفقة واستجداء التعاطف”. وبكثير من الأنفة والكرامة، رفضت بشرى أن يُختزل جهدها وتعبها وسهرها في خانة الاستعطاف؛ مؤكدة بصوت عالٍ أنها تنتمي إلى الأغلبية الساحقة من الجزائريين، تقطن سَكَناً اجتماعياً ضمن أسرة كريمة تتكون من ثلاثة أفراد، حظيت بدعم والدَيها المطلق الذي اتخذ أشكالاً معنوية وتربوية راقية. ولم يكن هذا الخطاب قناعاً للتكبر أو العجرفة، بل كان إعلاءً لقيمة الاستحقاق المبني على توفيق الله ثم الجهد الخالص.

معركة الشغف وضد “الترند” الجامعي

في الوقت الذي يساق فيه المتفوقون عادةً نحو تخصصات نمطية يفرضها “البريستيج الاجتماعي” ك الطب أو الذكاء الاصطناعي، أحدثت بشرى مفاجأة ثانية بإعلانها الحاسم عبر حصة “علمتني الحياة” رفضها التوجه إلى القطب الجامعي سيدي عبد الله لتلك التخصصات.

وقالت بشرى في تصريح يلخص نضجها الفكري:

“سترونني في تخصص الهندسة المعمارية مستقبلا، لأنني أملك شغفاً كبيراً بهذا المجال. فالإنسان عندما يحمل شغفاً اتجاه ميدان ما، لابد أن يبدع فيه”.

بهذه الكلمات، مرّرت الطالبة المتفوقة درساً في التوجيه الجامعي، مفاده أن “الإنسان هو من يمنح المكان قيمته، وليست المرتبة أو التخصص هما من يصنعان قيمة الإنسان”.

صفع المنصات الرقمية وركاب الأمواج

ولم تتوقف معركة الوعي التي قادتها بشرى عند خياراتها الأكاديمية، بل امتدت لتضع حداً حاسماً أمام “راكبي الأمواج” ومستغلي إنجازات الآخرين لرفع نسب المشاهدة (الـBuzz). فقد وضعت النقاط على الحروف أمام بعض الممارسات الإعلامية، موضحاً بذكاء الفرق بين “الهدية المستحقة” و”المطلب المشروط”، مغلقةً الباب نهائياً أمام تحويل حياتها الشخصية ويوميات عائلتها إلى مادة مشاعية متاحة للجميع عبر الفضاء الأزرق.

احتفاء رسمي وتلاحم النوابغ

هذا التميز الاستثنائي حظي بتقدير رسمي ومجتمعي واسع؛ حيث أشرف الأمين العام لولاية تيارت، رفقة رئيس المجلس الشعبي الولائي، وأعضاء المجتمع المدني، والسلطات الأمنية والعسكرية، على تكريم هذه النابغة التي شرّفت الجزائر العميقة. وفي لفتة تضامنية راقية تعكس تلاحم نوابغ الوطن، خصت البطلة الفائزة بالمرتبة الأولى في روسيا بمسابقة الحساب الذهني، منار بن مستورة، زميلتها بشرى بزيارة مباركة، لتلتقي العقول المبدعة على أرض تيارت.

إن بشرى هبة الله قرومي ليست مجرد رقم قياسي في قطاع التربية الوطنية لعام 2026، بل هي النموذج الحي لـ “بنت البلد” الأصيلة؛ التي تثبت أن التفوق الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض المعاناة، بل يحتاج إلى الكبرياء، الوعي، والشغف الذي يصنع الفارق ويسهم في بناء جزائر الغد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى