شهدت العلاقات الجزائرية-التونسية دفعة سياسية واقتصادية جديدة، أكدت عمق الروابط التاريخية والتوجه الثابت نحو بناء شراكة استراتيجية شاملة. وفي هذا الصدد، شدد وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، على أن العلاقات بين البلدين الشقيقين تعيش حالياً حركية متصاعدة على كافة المستويات، داعياً إلى نقلة نوعية في منهجية العمل عبر الانتقال من “منطق إدارة الملفات إلى منطق إنجاز المشاريع الملموسة”.
جاء ذلك خلال الكلمة التي ألقاها الوزير، الأربعاء بالجزائر العاصمة، في افتتاح أشغال لجنة المتابعة الجزائرية-التونسية، والتي ترأسها مناصفة مع وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج بالجمهورية التونسية، محمد علي النفطي.
ذاكرة الكفاح المشترك.. رصيد يؤسس للمستقبل
استهل رئيس الدبلوماسية الجزائرية كلمته بترحيب حار بالوفد التونسي، مستحضراً الأبعاد التاريخية التي تجمع البلدين. وأكد عطاف أن ما يربط الجزائر بتونس:
“أكبر من الجغرافيا، وأعمق من السياسة، وأرسخ من تقلبات الزمن”.
وعبّر الوزير عن امتنانه للدعم التاريخي الذي قدمه الشعب التونسي للثورة التحريرية الجزائرية، معتبراً أن هذه الذاكرة النضالية المشتركة تمثل اليوم الوقود الحقيقي لتحويل “وحدة النضال التاريخي” إلى “وحدة بناء وتكامل اقتصادي” يستجيب لتطلعات الشعبين وتوجيهات الرئيسين عبد المجيد تبون وقيس سعيد.
لجنة المتابعة: 3 ركائز لشراكة قطاعية شاملة
أوضح عطاف أن انتظام لجنة المتابعة يعكس حرصاً سياسياً مشتركاً لتصويب المسارات واستشراف الآفاق، مستندة إلى ثلاثة اعتبارات رئيسية:
الرعاية الفائقة والخاصة من قِبل قائدي البلدين.
الدور المحوري للجنة في تنفيذ مخرجات “اللجنة الكبرى المشتركة”.
الإطار المؤسسي الدائم الذي يضمن الانتقال من التعاون القطاعي الضيق إلى الشراكة الشاملة.
وفي سياق تعزيز هذا الإطار القانوني، كشف الوزير عن قفزة نوعية؛ حيث تم استكمال الإجراءات القانونية لـ 24 اتفاقية تعاون من أصل 26 تم توقيعها خلال الدورة السابقة، ولم يتبق سوى اتفاقيتين في طور التصديق النهائي.
أمن الحدود.. نموذج إقليمي ناجح
على الصعيد الأمني والسياسي، أعرب الوزير عن ارتياحه البالغ لمستوى التنسيق والتشاور الدبلوماسي المستمر حول القضايا الساخنة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والأزمات في ليبيا والسودان، فضلاً عن ملفات السلم والتنمية في منطقة الساحل الإفريقي.
أما في الشق الأمني الميداني، فقد وصف عطاف التعاون بين المؤسسات المختصة في البلدين بأنه:
أنموذج يحتذى به في المنطقة.
أثبت كفاءة عالية في تأمين الحدود المشتركة وضمان انسيابية حركة المواطنين.
حقق نتائج ملموسة في مكافحة الإرهاب، الجريمة المنظمة، التهريب، والهجرة غير النظامية.
كما شدد على أن تنمية المناطق الحدودية تظل أولوية قصوى لترسيخ الاستقرار والدفع بالاندماج الاقتصادي المحلي.
طموح اقتصادي يتحدى البيروقراطية
في الشق الاقتصادي، زفّ الوزير أرقاماً إيجابية تعكس نمو الشراكة؛ حيث كشف أن حجم المبادلات التجارية يسير بخطى ثابتة نحو تجاوز حاجز الـ 3 مليارات دولار، مشيداً بالتعاون الطاقوي “النموذجي” بين البلدين.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، دعا عطاف إلى تفعيل كافة الاتفاقيات وتسريع وتيرة اللجان التقنية المشتركة لسد التفاوت بين القطاعات، مقترحاً خارطة طريق من ثلاثة محاور لإعطاء التعاون الاقتصادي زخماً جديداً:
المحور
الهدف الأساسي
أولاً: نشر ثقافة المبادرة
كسر القيود الإدارية وتجاوز العقبات البيروقراطية.
ثانياً: تحرير الاستثمار
إزالة كافة العراقيل التي تحد من تدفق الاستثمارات والتجارة البينية.
ثالثاً: المنهجية القائمة على النتائج
تحديد أهداف دقيقة، وآجال زمنية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
تطلع نحو المستقبل
واختتم وزير الدولة كلمته بالتأكيد على أن الطرح الصريح لهذه الانشغالات والتحديات لا يقلل إطلاقاً مما تم تحقيقه، بل يترجم “إرادة سياسية فولاذية” للارتقاء بالعلاقات إلى مرتبة الشراكة الاستراتيجية المستدامة، مجدداً استعداد الجزائر التام للعمل يداً بيد مع تونس لترجمة هذه الطموحات إلى مشاريع على أرض الواقع تخدم مصالح الشعبين الشقيقين.