الدكتور عبد البر الصياد يكتب “الإعتماد”

- الاعتماد*
“عوامل الاعتماد”
في المجتمعات التقليدية القديمة، ظل اكتساب المكانة العالية صعباً إلى حد بعيد، غير أن فقدانها لم يكن أقل صعوبة، وهو ما كان مريحًا لمن يملكونها. فقد كان تغيير اللورد لموقعه مثلا لا يقل صعوبة عن تغيير الفلاح لمنزلته وهو الأمر الأشد وطأة كانت هوية الإنسان بحكم مولده أشد أهمية من أي شيء قد يستطيع تحقيقه خلال عمره كله، عبر استغلال مهاراته وقدراته. كان بيت القصيد هو من أنت، أما ماذا تفعل فنادرا ما يلتفت إليه.
تطلعت المجتمعات الحديثة إلى *تحقيق هدف عظيم، هو أن تقلب هذه المعادلة على وجهها الآخر، وأن تتخلّص من جميع الاعتبارات الموروثة، سواء تلك التي تمنح الامتيازات لبعض الناس أو التي تحرم منها البعض الآخر، بغرض أن تقوم منزلة المرء على منجزه الفردي وحسب – والذي أصبح معناه المنجز المالي بالأساس. لم تعد المكانة
تعتمد الآن على هوية تتوارثها الأجيال ولا تبديل لها، إلا في حالات نادرة، وبدلا من ذلك صار معيارها هو أداء المرء في ظل اقتصاد حركته لا تهدأ وشراسته لا تلين.
نتيجة للطبيعة الخاصة بهذا الاقتصاد، فإن أبرز سمات الصراع لتحقيق المكانة هي الريبة وانعدام اليقين. إننا نتأمل المستقبل في ضوء معرفتنا بأننا معرضون في أي وقت لأن يخيب مسعانا إذا أعاق تقدمنا زملاؤنا أو منافسونا، أو إذا اكتشفنا أننا نفتقد القدرات اللازمة لبلوغ أهدافنا المنشودة، أو إذا انجرفنا داخل تيار مشؤوم وسط أمواج السوق المتلاطمة – ويقترن أي فشل لنا بالنجاح الممكن لأندادنا.
القلق هو التابع المخلص للطموح المعاصر، وهناك خمسة عوامل على الأقل عصية على التوقع، يتوقف عليها كسبنا للرزق والاحترام وهي ذاتها تقدم لنا خمسة مبررات وجيهة لكي لا نطمئن بالمرة إلى بلوغنا المنصب المنشود أو الاحتفاظ به داخل تراتبية المناصب.
- الاعتماد على الموهبة المتقلبة
طالما كانت مكانتنا تعتمد على منجزاتنا، فلعل أشد ما نحتاج إليه للنجاح هو الموهبة، وإذا أردنا أن ننعم براحة البال فلا بد من أن نضمن سيطرة بارعة على موهبتنا. ورغم ذلك، من المستحيل في أغلب النشاطات أن نوجه الموهبة كما يحلو لنا. فقد تسطع الموهبة لبرهة من الوقت، ثم تتبدد من دون إنذار أو اعتذار، فتترك مسيرتنا المهنية حطاما. ليس بوسعنا أن نستدعي أفضل ما لدينا إلى الصدارة وفقا لما نشاء ونهوى. أيا كانت الموهبة التي قد نبديها بين الحين والآخر، لا يسعنا الزعم أنها تحت تصرفنا تماما، ولهذا ربما يبدو ما ننجزه أقرب إلى هبة منحها لنا عامل خارجي، إنها منحة شاردة بلا قانون يحكم حضورها
وغيابها، ومع ذلك تتوقف عليها قدرتنا على دفع ثمن ما تريد من أشياء، بل أيضًا ترسم لنا مسار حياتنا نفسه.
كان الإغريق القدامى من توصلوا إلى الصورة الأشد بلاغة للتعبير عن علاقتنا بالموهبة التي يغلب عليها تقلب الأحوال بدرجة أليمة عندما ابتكروا الميوزات ربات الإلهام، وفقا للميثولوجية الإغريقية، فإن كلا من أنصاف الربات التسع تلك تسيطر على قدرة محددة، وتنعم بها على سعداء الحظ بين الحين والآخر، تلك القدرات هي: الشعر الملحمي، التاريخ، الشعر العاطفي، الموسيقى، التراجيديا، تأليف التراتيل، الرقص الكوميديا علم الفلك. وعلى هؤلاء الذين تذوقوا النجاح في أي من تلك المجالات ألا ينسوا أن مواهبهم ليست طوع أمرهم في الحقيقة، وأنها قد تتنزع منهم مرة أخرى في لمح البصر إذا قررت ذلك الملهمات متقلبات المزاج.
إن مجالات عمل ربات الإلهام الإغريقية بعيدة الصلة للغاية عن مشاغلنا المعاصرة، ورغم ذلك فهي استعارة ميثولوجية لا تزال سارية في تصوير مقدار ضعف سيطرتنا على قدراتنا الخاصة، وما ينتابنا رغما عنا من قلق وخوف بالتالي إزاء مستقبلنا.
- الاعتماد على الحظ
تعتمد مكانتنا كذلك على مجموعة من الظروف المواتية التي يمكننا أن تعرفها بالكلمة الفضفاضة (الحظ). فقد يكون حسن الحظ وحده ما يضعنا في الوظيفة المناسبة، في الوقت المناسب، وبالمهارت المناسبة. كما قد يكون سوء الحظ وحده هو ما يحرمنا من هذه الامتيازات نفسها. لكن للأسف لم يعد من المقبول الاحتكام إلى عامل الحظ لتفسير ما يحدث في حياتنا في عصور سابقة أقل تعقيدا تكنولوجيا، عندما
كان البشر يحترمون سلطان الآلهة ومزاج الطبيعة المتقلب، كانت فكرة عدم سيطرة الإنسان على الأحداث عملة رائجة على نطاق واسع. وكان الامتنان واللوم يوضعان بانتظام على عتبة عوامل خارجية، بإحالة الأسباب إلى تدخل الشياطين والعفاريت والأرواح والأرباب على سبيل المثال، على مدى قصة بيولف [ الملحمة الشعرية الإنجليزية ] (سنة 1100 م. تقريبا) نرى نجاح الإنسان يعتمد على إرادة الإله المسيحي وعندما يصف بيولف هزيمته لأم جريندل الوحش)، يؤكد: «أنه لولا عناية الله لحسمت المعركة لصالحها على الفور.
راح الاعتقاد بالحظ وبالأرباب الحارسة يفقد قوته تدريجيا، مع ازدياد قدرتنا على التحكم في بيئتنا وتوقع مسلكها. ورغم أن قليلا من الناس فقط ينكرون تماما أن يكون للحظ أي دور نظري في رسم مساراتهم المهنية، فإن تقييم الأشخاص من الناحية العملية، لا يزال يفترض مسؤوليتهم عن صُنع سيرهم الذاتية بدرجة كبيرة. فإذا ما عزى أحد الأشخاص ما حققه من نصر مهني إلى حسن الحظ»، سيبدو هذا لأسماعنا تواضعا مبالغا فيه وربما حتى مثيرًا للريبة)، والأهم في هذا السياق عندما يلقي الشخص اللوم في إخفاقه على سوء حظه فسوف يثير فينا الشفقة وشيئا من الازدراء الناجح يصنع حظه بيديه، هذا ما تؤكده المقولة المعاصرة التي تتردد على الألسنة كأنها دعاء ديني – ولو تناهى هذا المثل السائر إلى أسماع الرومان القدامى المتعبدين لربة القدر أو لأبطال ملحمة بيولف الورعين لأصابهم بالحيرة والارتباك.
من الصحيح أن اعتماد مكانة المرء على عناصر عشوائية لا سلطان له عليها أمر مثير للقلق والمخاوف، غير أنه يبقى الأشد صعوبة من ذلك العيش في عالم شغوف للغاية بأفكار السيطرة العقلانية التامة، بحيث لا يعتد كثيرا بسوء الحظ كتفسير مصدق للخيبة والإخفاق.
3 -الاعتماد على صاحب العمل
تشتد درجة عجزنا عن التوقع الدقيق لما قد يطرأ على ظروفنا عندما
تكون مكانتنا مرتبطة تماما بأولويات من نعمل لديهم.
ظهر في الولايات المتحدة عام 1907، كتاب بعنوان ثلاثة أفدنة وحرية، وسرعان ما استحوذ على خيال عموم القراء. انطلق مؤلفه، بولتون هول، من التسليم بحماقة العمل لأجل شخص آخر، وبناء عليه راح يوعز إلى قرائه أن بإمكانهم كسب حريتهم إذا هجروا المكاتب والمصانع واشتروا مساحة ثلاثة أفدنة من الأرض الرخيصة والصالحة للزراعة في المناطق الريفية بوسط أمريكا. وسرعان ما ستتيح لهم هذه الأفدنة القليلة زراعة طعام يكفي أسرة من أربعة أفراد، وبناء بيت بسيط ولكن مريح، والأفضل من ذلك كله أنهم لن يكونوا مضطرين بعد ذلك لألعاب التملق والتفاوض مع الزملاء والرؤساء في أماكن العمل المعهودة. الجزء الأكبر من هذا الكتاب مخصص لتقديم وصف مفصل لكيفية زراعة الخضروات، وبناء الصوبات الزجاجية، وتخطيط بستان أشجار الفاكهة، وشراء حيوانات المزارع (وقد شرح السيد هول في كتابه أن بقرة واحدة تكفي للحصول على الحليب والجبن، والبط مهم للحصول على طعام أكثر تغذية من الدجاج). إن الرسالة التي نقلها كتاب ثلاثة أفدنة وحرية ظلت تتردد بوتيرة أعلى وأوسع نطاقا خلال الخمسين عاما السابقة في كل من أوربا وأمريكا لكي يعيش الإنسان حياة سعيدة عليه أن يحاول الهرب من الاعتماد على أرباب العمل وبدلا من ذلك أن يعمل لحساب نفسه مباشرة، وبإيقاعه الخاص المناسب له، ومن أجل
أرباح تعود إليه وحده.
لقد ظهرت مثل تلك الدعوات كرد فعل على ميل في الاتجاه
المعاكس : خلال القرن التاسع عشر، وللمرة الأولى في التاريخ، كف أغلب الناس عن العمل في مزارعهم الخاصة أو في الأعمال التجارية الصغيرة للأسرة، وبدأوا يقايضون ذكاءهم أو قوتهم البدنية في مقابل أجر يدفعه لهم شخص آخر عام 1800 ، كانت نسبة 20 بالمئة من العاملين في أمريكا لهم رب عمل آخر غير أنفسهم؛ وبحلول عام 1900 ارتفعت هذه النسبة إلى 50 بالمئة، وفي عام 2000 صارت 90 بالمئة. كما أن أرباب العمل ازدادوا ضخامة وتوسعا كذلك: كانت نسبة قوة العمل الأمريكية المشتغلة في مؤسسات تستخدم 500 موظف أو أكثر هي 1 بالمئة فقط في عام 1800 ، ومع حلول عام 2000 ارتفعت نسبة تلك المؤسسات إلى 55%.
في إنجلترا، تسارعت وتيرة الانتقال من دولة صغار المنتجين الزراعيين إلى العاملين بأجر لدى الآخرين بسبب فقدان أجزاء كبيرة من الأرض ذات الملكية المشاعية، وهو مصدر كان يمكن فقراء الفلاحين من الاستمرار في الحياة بزراعة ما يحتاجون من غذاء وبإطلاق ما يملكون من حيوانات – بقرة أو أوزة – حرةً لترعى أو تغتذي. منذ القرن التاسع عشر فصاعدًا، أغلقت الغالبية العظمى من الحقول الإنجليزية المفتوحة» وأحاطها الملاك من ذوي السلطة بالأسوار والأسيجة. بين عامي 1724 و 1815، أصبح أكثر من مليون ونصف من الأفدنة ملكيات خاصة. وفقا للتحليل الماركسي التقليدي ( والذي رفضه بعض المؤرخين، لكنه يبقى كاشفًا على الرغم من ذلك، فإن حركة تسييج الأراضي كانت بشيرا بمولد طبقة البروليتاريا الصناعية الحديثة، والتي تعرف بأنها مجموعة الأشخاص غير القادرين على إعالة أنفسهم، وبالتالي لا يترك أمامهم أي خيار إلا بيع أنفسهم لصاحب العمل مقابل أجر ثابت وبشروط تصب في مصلحة صاحب العمل بالأساس.
ولا يختلف الحال الآن عما كان عليه آنذاك، فلا تقتصر متاعب الموظف على القلق بشأن استمرار وجوده في الوظيفة، ولكنها تشمل كذلك المهانة اليومية المتجسدة في العديد من أعراف وآليات العمل. تتخذ أغلب المؤسسات والشركات شكلا هرميا، حيث توجد قاعدة واسعة من الموظفين تضيق صعودًا حتى قمة ضيقة من المديرين ولهذا السبب يثار السؤال عن من ستتم ترقيته ومن سيظل في مكانه، ويتحول هذا السؤال إلى أحد دواعي القلق الجائمة على الصدور في كل أماكن العمل – وهو مثل سائر دواعي القلق يغذي حالة الريبة وانعدام الأمان. ما يزيد الطين بلة حقيقة أنه من الصعب قياس الإنجاز في أغلب المجالات ورصده بوسيلة دقيقة يعول عليها، ولذلك فإن الطريق نحو الترقي للأعلى أو نحو الاتجاه المعاكس للأسفل قد لا تربطه إلا علاقة عشوائية كما يبدو بالأداء الفعلي للموظف. فقد لا يكون الناجحون في تسلق الهرم الوظيفي في مؤسساتهم هم أفضل الموظفين وأكثرهم إتقانا، ولكن هم الأكثر إتقانا لمجموعة من مهارات سياسية لا يتوفر لها
في الحياة العادية عموما وسائل للتدريب والإرشاد.
على الرغم مما قد يبدو على السطح من اختلافات بين الحياة العملية المعاصرة وحياة البلاط الملكي، فلعل أرجح النصائح حول متطلبات البقاء في الأولى قد أنت من سلسلة نبلاء المعيين عاشوا حياة البلاط في فرنسا وإيطاليا ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر. فبعد أن تقاعد هؤلاء الرجال واعتزلوا العالم عكفوا على تجميع أفكارهم في مجموعة متوالية من أعمال، تتسم بروح كلبية تزدري البشر وتشك في دوافعهم، صيغت بأسلوب الشذرات اللاذعة – وما زال تلك الأعمال حتى يومنا هذا تتحدى ما نود أن نعتقده حول رفاقنا البشر. إن ملاحظات كل من ماكيافللي (1469-1527)، وجيتشارديني
حول الاحتراس من الزملاء
البشر أشد الكائنات خداعًا وخبثا وتدليسا ومكرا في صنع المكائد والأحابيل، إنهم ممتلثون بالجشع والحرص على مصالحهم، وفي غاية الغفلة والإهمال لمصالح الآخرين، وهكذا لن تكون مخطئًا بالمرة إذا لم تصدق أحدًا إلا قليلا وإذا لم تثق في أحد تقريبا.
جيتشارديني
ينبغي أن نعامل العدو كما لو كان قد يصبح صديقا ذات يوم، وأن تعامل الصديق كما لو كان قد يصبح عدوا ذات يوم.
حول ضرورة الكذب والمبالغة في أغلب الأحوال لا يكافئ العالم أصحاب الكفاءة، بل يكافئ من يبدون أمارات الكفاءة في الظاهر وحسب.
لا برويير

